التنظيم يأتي بسلة إصلاحات.. فهل يعيد للخلافة هيبتها؟

.jpg

يسعى تنظيم «الدولة الإسلامية» لتعويض خسائره البشرية والنكسات المعنوية التي مني بها خلال الأشهر الماضية، معتمدًا في ذلك على خطة صممها كبار مهندسي التنظيم شمال العراق؛ وأفادت مصادر خاصة إلى عنب بلدي أنها ستُنفّذ بإشراف النواة الأمنية للتنظيم، وستتم على شقين، يستعرض التقرير تفاصيلهما.

سيرين عبد النور – ديرالزور

الأخطاء الداخلية ضمن التنظيم هي محور الشق الأول من الخطة، وآلية معالجتها ستكون على 6 مراحل؛ الأولى محاسبة الأفراد المخطئين داخل التنظيم وعزل قيادات لم تثبت كفاءتها، وذلك بناء على تقصيات لجان تحقيق أوفدت إلى مختلف «ولايات» التنظيم، إحداها إلى «ولاية الخير»، كما يطلق التنظيم على ديرالزور، حققت في انتهاكات ارتكبها عناصر من التنظيم، وجرائم قتل جماعي وفساد داخلي.

المرحلتان الثانية والثالثة هما ثنائية الترغيب والترهيب؛ فالثانية تقضي برفع رواتب العناصر المبايعة المحلية، وترقيتهم وفق «ولاء» العنصر و»طاعته»؛ والثالثة تقضي بتشديد العقوبة على من يحاول الفرار، بتهمة «الردة» و»نقض بيعة الإمام»، اللتين توجبان حكم القتل وفق شريعة التنظيم. وقد نفذ الحكم بالفعل بحق عشرات المهاجرين، إذ أعدموا إثر محاولات هرب فاشلة، أو بتهم «التخاذل» و«الفرار» و»عدم نصرة التنظيم».

وتشمل المراحل الثلاث الأخيرة إبعاد العناصر التي يشك في ولائها عن المناصب الهامة، واعتماد خطط أمنية جديدة لحماية التنظيم من الاختراقات، إضافة لحملات تطهير اعتقل إثرها مئات من العناصر المناصرة للتنظيم في ديرالزور، ريفًا ومدينة.

الحاضنة الشعبية

يجمع نشطاء في ديرالزور أن أبرز ما أثار نقمة الأهالي على التنظيم هو تمييز عناصر «الخلافة» وعدم مساواتهم في المعاملة بين الأهالي، خاصة مع العراقيين، نواة التنظيم الأساسية، والمسيطرون عليه بفتاوى وقرارات. إضافة لاحتكار التنظيم خيرات المناطق الخاضعة لسيطرته واستنزافها، من غذاء وأدوية ومحاصيل زراعية وأدوات كهربائية وحتى أموال ومعادن قيّمة وتهريب آثارها إلى الأراضي العراقية، فيما اعتبره بعض الأهالي شبيهًا بـ «علي بابا والأربعين حرامي» الذين وجدوا في سوريا مغارة ذهب لا ينضب.

وتتصاعد النقمة الشعبية مع ازدياد سوء الأحوال في مناطق التنظيم، خدميًا وإداريًا، دون بوادر لتحسن في مستقبل طالما أنه في ظل الخلافة، فقتامة راياتها طاغية عليه.

لذا فالشق الثاني يتمحور حول الحاضنة الشعبية للتنظيم، ويصب في آليات استعادتها والاستفادة من العنصر البشري عبر حملات دعائية مكثفة عبر كافة وسائل الاتصال المتاحة في كل من مناطقه، تزامنًا مع تكثيف الإصدارات المرئية والمسموعية التي تشيد بالتنظيم وخدماته.

هذه الخطوة ليست بجديدة على التنظيم، فمنذ انطلاقته، برز إعلامه الموجه والاحترافي بوسائله وأساليبه؛ ففي ديرالزور مثلًا، اعتمد التحليل النفسي لقياس أثر إصداراته وفعاليتها، ودورها في ظل المعطيات المتغيرة، بحسب الباحث في شؤون التنظيم، طه العبد.

ويضيف العبد أن الهدف من الإصدارات جذب عناصر جديدة، وشحذ همم عناصره الحاليين، وتعزيز ارتباطها بالتنظيم وثقتهم به، إضافة إلى الإصدارات التي تصور «رغد الحياة» في ديرالزور من موسم الحصاد إلى السياحة الإسلامية، لنفي الادعاءات بعكس ذلك.

سياسة دعوات التنظيم للأهالي شملت تسهيلات لعودة أبناء بعض القرى المهجرين، مثل قرية «أبو حمام»، التي سمح التنظيم لأبنائها بالعودة بعد عام من تهجيرهم، وإطلاق سراح معتقلين في سجونه، كما شملت التواصل مع الوجهاء وتقديم منح وهبات مالية، وذلك ضمن استراتيجيته لاستمالة العشائر لامتصاص النقمة الشعبية عليه؛ وتترافق هذه الاستراتيجية بذراع استخباراتي من شبكة عناصر محلية لا تصرح ببيعتها للتنظيم.

كما لا يغيب الخطاب الديني الداعي لنصرة «دولة الإسلام» عن مساعي التنظيم في تجييش جبهة داخلية، والدفع بالأهالي نحو دورات استتابة شرعية ومعسكرات تدريبية، بغية تعزيز موارده البشرية وتعويض تشتت المقاتلين إثر تعدد الجبهات؛ آخر هذه الجهود كان إرسال التنظيم عشرات الشبان من الريف الشرقي من سعلو والزياري والبوكمال إلى دورات استتابة داخلية مغلقة تقام شمال العراق وتستمر لأكثر من ستين يومًا، لا يسمح خلالها للمنتسبين بالمغادرة إلا بعد انتهاء الدورة وتخطي امتحان يجريه المشرف الشرعي، وبحال رسب المشارك، سيضطر لحضور الدورة من جديد.

إضافة إلى ذلك، يقيم التنظيم عشرات الدورات الشرعية «العامة» أو «الخارجية» أو «المفتوحة»، كما باتت تعرف مقارنة بالمعسكرات التدريبية الصارمة، إذ يحق فيها للمشاركين العودة إلى بيوتهم لدى انتهاء الدروس عند العشاء.

هل ستنجح الخطة فعلًا؟

وإذ يشكك أهالي وناشطون بجدوى هذه الدورات كونها تفرض قسرًا على «المنتسبين» إليها، تجنبًا لغضب التنظيم، يرى الخبير في الجماعات الإسلامية محمد الحسن أن «للدولة» مقصدين في ذلك، أحدهما استراتيجي يهدف إلى سبر أغوار المجتمع وتحديد مراكز القوى فيه التي يمكن لها التأثير على أي تحرك جماعي والعمل على تغيير طريقة تفكيره؛ والثاني إحصائي لمعرفة أعداد الخاضعين لسيطرته وتحديد الأعداء المحتملين الذين قد يشكلون نواة حراك مستقبلي يعاديه، وبالتالي لرسم خطط لتحييدهم أو القضاء عليهم.

تداعيات الخطة الجديدة لم تظهر جليًا بعد، فتطبيقها يجري جزئيًا وبشكل تدريجي، إلا أن الرهانات هي على سقوطه وفشل الخطة في تعويض خسائره على جبهات العراق والحسكة إضافة لجبهات داخلية في ديرالزور وريفها الشرقي، حيث تزداد النقمة الشعبية، بحسب الناشط علي من مدينة الميادين، الذي يعتبر أن «التنظيم يشهد شهوره الأخيرة، والفترة القادمة هي فترة تراجع وانحسار»، مستدلًا على ذلك بما يراه «حالة تخبط يعيشها التنظيم». ويتفق مع علي، الناشط أبو مصطفى الذي يقول إن التنظيم «يحتضر» وفي «طور الانكماش»، ويرى أن «إصلاحات التنظيم لم تعد ذات جدوى، ومتأخرة جدًا».

القائد السابق في الجيش الحر في المنطقة، أبو محمد، وصف في حديث مع عنب بلدي التنظيم بـ «المهترئ» وبأنه «يعاني إرهاصات» لكنه عزا صموده إلى غياب قوة تقف بوجهه وتزيحه، وقال إن كلامًا كثيرًا يدور عن تشكيل جبهة تضم كتائب من الجيش الحر وقوى داخلية ومقاتلين من العشائر للتصدي للتنظيم، وقال إن المسألة مسألة «أشهر لا أكثر» إلى أن تسحق ثورات داخلية وهجمات وضغوط خارجية كيان التنظيم.

في حين أعرب آخرون عن تخوفهم مما قد يقدم عليه التنظيم في الأشهر المقبلة، إذ غير تكتيكاته إلى العمل المفاجئ والاعتماد على خلايا نائمة في مناطق انسحب منها وأخرى خارج سيطرته. ولكن المشترك بين من استطلعتهم عنب بلدي من نشطاء وأهالي وباحثين، أن «الدولة فقدت هيبتها»، ولم تعد الجثث المصلوبة والرؤوس المقطوعة مصدر رعب في نفوس الأهالي أو نفوس من يقاتلون ضد التنظيم.

تابعنا على تويتر


Top