عن الثورة والصبر

حنين النقري – دوما

قلّ أن أخطأت المحنة منزلًا في ظلّ الثورة، كقلّة البيوت التي يخطئها القصف الأسدي في حملة على إحدى المدن…
لعلّه نوع من المساواة بالمصاب، لعلّه نوع من التحمّل الجماعي لظروف متشابهة، ولعلّه إرساء لمفردة هامّة في حياتنا، تدعى (الصبر)…
«ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشّر الصابرين* الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون» (البقرة 155-156).
الصبر على مختلف أنواع الابتلاءات، باحتساب وسكينة، وكلمة تتردد على فم الممتحن -في أي عصر- إنا لله وإنا إليه راجعون؛ بإعجاز كلماتها المقتضبة، فهي تحمل الشفاء الأنجع لأي مبتلى!
وما الذي يحتاجه من حلّ به مصاب أكثر من إخراجه من دائرة همّه؟ وما الذي يحتاجه مظلوم أكثر من شعوره بأن مرجعه ومآبه لله العدل، الذي إن ضاع حقّه عند أهل الأرض فلن يضيعه هو…
ثمّة عالم آخر سنعود له جميعًا، فلا تحسبّن أن مصيبتك ستدوم الدهر، ثمّة ربّ مآبنا له وحده، فلا تحسبه غافلًا عمّا ألمّ بك، ولا تحسبنّه غافلًا عن أي ظالم مهما عتا وتجبّر!
أية قوّة تحملها تلك العبارة؟ أي مدد قادر على تحصينك من نوبات انفعالية إزاء مصابك؛ تمدّك به كلماتها؟
أية عظمة في جعل المبتلى ينظر للأمر بشكل شمولي أكثر، من منظور الخواتيم والنهاية، المحسومة لجانب الحقّ حتما، وإن خسر جولة راهنة!
ستشعر حتمًا -لأنك بشر لا أكثر- بالعجز، بالقهر، بكلمات تتجمع في فمك تريد أن تصرخ بها ملء الكون، شوقًا لفقيد، ألمًا لشهيد، حزنًا لشريد، الصبر مرٌّ، وإلا لما كان «إنّما الصبر عند الصدمة الأولى»…

«إنا لله وإنا إليه راجعون» ليست جملةً سحرية سترددها يختفي هلعك!
لكنّ تفكرك بها سيعيدك لمآل الأشياء ومنتهاها، وهو الغاية منها، وهو ما سيبثّ فيك تلك السكينة المقدسة، تلك المسماة لغةً: الصبر..
«إنّما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب» لا أظن أن مصادفة تجمع بين عظيم أجر الصابرين وبين معنى الصبر لغة، ذاك الذي يدلّ حسب معجم مقاييس اللغة على أنّه: «أعالي الشيء»!
وما عظيم شأن الصبر -برأيي- لمجرد حبس لغضب، أو تهدئة الانفعالات، إنّما لأنه حالة من السكينة والرضا تسري في مجتمع لا يجب أن يكون ساخطًا هلعًا انفعاليًا، بقدر ما يجب أن يؤمن بقدرته على تخطّي المصاب لنهاية أخرى يدركها تمامًا!
هو بلسم لمجتمع كامل يسري بيننا كالعدوى، أراك صابرًا على ابتلاء يفوق مصيبتي، فتسري سكينتك في قلبي لأصبر على ما لديّ..
بعيدًا عن ضوضاء الانفعالات، عن كلمات الإحباط والهلع والتثبيط، تلك التي ستثير الفوضى والذعر واللاتعقّل في أي مجتمع كان..
أن تكون صابرًا؛ لا يعني ألا يحزن قلبك، وألا تدمع عينك، لكنّه يعني ألا تنتهي الحياة عند مصابك هذا، أن يعرف الابتسام إلى ثغرك طريقًا، ويعرف الإشراق إلى حياتك سبيلًا، لتتابع رسالتك، رغم كل غمّة!
فلتكن هذه الكلمات، كمعاهدة بيني وبينك -أخي المبتلى- ألا تبتئس، أن تردد معي «إنا لله وإنا إليه راجعون» بتفكر وتدبر، وإيمان!
ألا تبثّ حولك الهلع ما استطعت، لأن العبرة بالخواتيم، المشرقة حتمًا 🙂

تابعنا على تويتر


Top