معاناة من قلب سجون الأجهزة الأمنية للنظام السوري

imagبes1.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 38 – الاحد – 11-11-2012

معتقل

منذ أن بدأت الثورة السورية اتجه النظام السوري بأجهزته الأمنية إلى اعتقال الناشطين السياسيين المعارضين له ما قبل الثورة، وبعد أشهرٍ من اندلاع الثورة بات يعتقل كل من نَشِط وانخرط فيها إلى أن وصل إلى مرحلة الاعتقال العشوائي للجميع، أي أن جميع المواطنين من سكان المناطق الثائرة أصبحوا مطلوبين، ظنًا منه أن الاعتقالات العشوائية طريقة إخماد هذه الثورة… وسوف نقف هنا عند الظروف والأوضاع التي يعيشها المعتقلون داخل سجون الأفرع الأمنية…

قمنا بإجراء مقابلة مع أحد الأشخاص الذين اعتقلتهم الأجهزة الأمنية، والذين عاشوا فترة اعتقالهم في أحد أسوأ السجون الأمنية.
يروي لنا هذا المعتقل السابق ما حدث معه أثناء فترة اعتقاله، وما الذي شاهده داخل تلك السجون.
تم اعتقالك لمرتين حسبما علمنا، ما هو سبب اعتقالك في كل مرة؟
المرة الأولى كانت في أواخر العام 2011 ودامت فترة اعتقالي حوالي الثلاثة أشهر، أما المرة الثانية فكانت في هذا العام 2012، ودام اعتقالي لفترة تجاوزت الستة أشهر.
في المرة الأولى اعتقلت أثناء تشييع أحد شباب داريا والذي استشهد برصاص قوات الأمن، أما الثانية فقد تم اعتقالي عشوائيًا من الشارع على حاجز طيار.
وفترة اعتقالي الثانية كانت هي الأسوأ والأقسى.

ما هي التهم التي وُجهت لك؟
عندما طلبني المحقق للمرة الأولى -في فترة الاعتقال الثانية- كان أول سؤال يوجهه لي: جاي لعنا مرة تانية كمان؟!
وقبل أن أجيبه بدأ بضربي على الفور… وبعدها سألني: شو السلاح اللي بتحمله؟ ووين موجود؟ وشو التفجيرات التي قمت بتنفيذها؟
تفاجأت بالاتهامات التي وجهها لي (واستغربت كيف تغيرت الاتهامات الموجهة للمعتقل أو المعدة سلفًا له، إذ لم يسألني أحد في فترة اعتقالي الأولى عن سلاح وتفجيرات بل كان التهم الجاهزة مين عم يدفع لكم لتطلعوا مظاهرات!) وقلت له أنا لم أحمل سلاحًا في حياتي، ولم أقم بأية عمليات تفجير!! فقام بضربي على جميع أنحاء جسدي ومن ثم أمر بوضعي على «الدولاب». بعدها اعترفت بأنني خرجت بمظاهرة واحدة.. فقال لي: أنا مسامحك بكل المظاهرات والتشييعات اللي طلعت فيهم! بس هلأ بدي أعرف منك وين هو السلاح اللي عم ترفعه بوجه الدولة؟
أجبته لم احمل سلاحًا.. ولم أرَ السلاح إلا هنا..!
فانهال هو وعناصره علي بالضرب وبشدة، ومرة أخرى وضعوني على الدولاب قبل أن يعيدوني إلى المهجع…!!

وما الذي حصل معك بعد ذلك؟
طُلبتُ للتحقيق مرة أخرى، وسألني المحقق بماذا تعترف؟ قلت له إنني خرجت في مظاهرات عديدة؟ فقال لي: سماع لقلك… من أول السنة (أي بداية الثورة) ولآخرها (يقصد العام 2011) كانت القصة سلمية… أما هلأ كل يلي عنا فهنن جيش حر ومسلحين!! فبقا اعترف لحالك..!!
فرفضت من جديد التهم الباطلة التي وجهت لي وهي أنني حملت السلاح… فضربني من جديد، وأخذوني إلى باب حديدي حيث قاموا بربط يديّ الإثنتين إلى أعلى الباب بحيث باتت أطراف أصابع قدمي تلامس الأرض ملامسةً فيما ثقل جسمي كله على يداي (العقوبة المعروفة بالشبح على الباب) وبقيت على هذه الحالة لعدة ساعات (حوالي الأربع ساعات) وأثناء هذه الفترة كانوا يفتحون الباب ويغلقونه لإيلامي أكثر.
بعد مضي هذه الفترة لم أعد أستطيع التحمل أكثر فقلت للسجان سوف أعترف.. أخذوني لعند المحقق فسألني شو في عندك؟؟ قلت له: شو ما بدك… أنا عندي سلاح.. طيارة.. ودبابة!!!

مؤكد أنك لا تملك طائرة ولا دبابة لكن هل كان عندك سلاح حقًا ؟
لا، أبدًا أنا قلت للمحقق منذ البداية أنني لم أر السلاح أمامي سوى عندهم!
ولماذا اعترفت بذلك إذًا؟
منذ دخولي للفرع تعرضت للضرب بشكل وحشي جدًا، وأثناء التحقيق ضربني المحقق وعناصره كثيرًا، ومن ثم شبحوني على الباب ولم أعد أستطيع الاحتمال أكثر حيث أصبحت منهكًا ومتعبًا…. فقلت بيني وبين نفسي لن يتركوني حتى أعترف بشيء ما، فلأعترف وارتاح من كل هذا العذاب، والمثير للسخرية أنه بعد أن أعترفت للمحقق بإمتلاك للسلاح سألني بيني وبينه: بصراحة… إنت عامل يلي أعترفت عليهن؟؟؟!!!!! كان يعلم تمامًا أني لم أقترف شيئًا مما اعترفت به، فقلت له الله وكيلك أنا متظاهر سلمي وبس!! ، فقال لهم: خدوه ع المهجع بعد أن كتب بالضبط الاعترافات المسلحة الكاذبة التي اعترفت بها!

ماهي الأدوات التي استخدموها أثناء تعذيبك؟
عصا بلاستيكية خضراء (وهو البوري الذي يستخدم في التمديدات الصحية) والصدمات الكهربائية بشكل متكرر أثناء التحقيق -كان المحقق يتسلى فينا بعصاية الكهربا تسلاية- والحبال المصنوعة من الكاوشوك بالإضافة إلى يديّ المحقق ورجليه هو وكل من يراك هناك!!

ما أساليب التعذيب التي لم تمارس عليك ورأيتها هناك؟
كانت هناك طريقة أخرى مؤلمة كثيرًا حسب مارأيت وهي (الشبح على النافذة) حيث يقومون بتعليق المعتقل من يديه على النافذة بحث يرتفع عن الأرض كثيرًا ويصبح كل ثقل جسمة على يديه! وأذكر في إحدى المرات كان معنا شخص بدين فأخذوه وشبحوه على النافذة وعندما عاد كانت يداه محروقتان بالكامل بسب النافذة الحديدية التي كانت معرضة للشمس لفترة طويلة، فاحترقت يداه عندما ربطتا إليها لدرجة أننا رأينا عظم يديه بعد احتراق اللحم… وبقي هذا الشخص لأكثر من ثلاثة أسابيع لا يستطيع أن يحرك أصابعه ولا حتى يديه بالشكل الطبيعي!

وهل يتم علاج أولئك الأشخاص بعد تعرضهم للإصابة؟؟
في بعض الأحيان كان يأتي الممرض (وهو أحد السجانين) ليعطي مرضى السكري والقلب بعض الحبوب ولكن ليس دائمًا، وأحيانًا عندما يمرض أحدنا بارتفاع حرارته أو التهاب اللوزتين وماشابه ذلك، فيمكن للسجان -إذا كان راضيًا عنه- أن يحضر له حبة سيتامول «وبالمنية كمان!!» كنا نسمي هذه الحبة -حبة السيتامول التي لاتعجبنا في الخارج- كنا نسميها بالحبة السحرية لصعوبة الحصول عليها، أما من أصيب بالحروق والجروح والكدمات خلال التعذيب… فلا يعطوه أي دواء!!

السجان: حدثنا عنه.. من هو؟ وكيف يعامل المساجين؟؟
ااااه ما أكثر الحقد الذي يوجد في قلبي على السجان!

هل الممكن أن يصل حقدك إلى درجة أن تنتقم من ذلك الشخص (السجان) إذا انفردت به وكانت لك الحرية بذلك؟
للأسف الشديد نعم… قد أفعل ذلك… ولكن ربما لو سقط النظام وانتهينا من هذه الحالات قد أسامح…

لماذا قد تقتله؟
أولًا كانوا يختارون الشخص الذي يكون معاقبًا في خدمته أو الشخص الحرامي والقاتل ولديه محكومية ويضعونه سجانًا على المعتقلين… فكان يعاملنا على أننا نحن السبب في وجوده هنا ونحن من حرمناه من زوجته وعائلته ونحن من تسببنا بعقوبته!!
وقد رأيته كيف ارتكب جريمة القتل بحق خمسة أشخاص أمام عيني!

لماذا قام بذلك وما الطريقة التي قتلهم بها؟
الأشخاص الذين قتلهم كان سبب قتلهم هو أن أحدهم تكلم مع صديقه داخل المهجع!! والثاني لم يعجبه شكله!! قال له «ليش إنت شكلك هيك؟!!!!» والثالث دخل المهجع فوجده نائمًا!! وهذه الأمور كلها من الممنوعات في الفرع ويتم تطبيقها حسب السجان يعني الشغلة مزاجية!! وكان للسجان الصلاحيات ليفعل ماشاء بالمساجين! وقد أتى بأحد الأشخاص وضربه على رأسه فوقع على الأرض وأغمي عليه، فجاء أحدهم وساعده على رفعه ليضربه من جديد مرة ثانية وثالثة… وكان يقول لنا «بدي جننكم… إذا طلعتوا من هون لح تطلعوا مجانين»… وبعد ذلك ترك ذلك الشخص الذي بقي مغمى عليه ليومين… وبعدها فتح عينه وبدأنا نتكلم معه وتفاجأنا أنه بالفعل قد فقد عقله أو ذاكرته ولم يعد يعرف أين هو!! بعدها بأيام توفي رحمه الله..
شخص أخر -وكان محترمًا جدًا وهو خريج هندسة زراعية- كان قد اُعتقل مؤخرًا وعند دخوله بيننا لم يتحمل الوضع السيء الذي رآه والضرب العنيف من قبل السجان… وتعبت نفسيته كثيرًا وبعدها فقد عقله بشكل كامل وأصبح أشبه بالمجنون!! وكان السجان «يتسلى» به ولم تمض عليه سوى أيام قليلة حتى توفي… والأشخاص الثلاثة الآخرون أيضًا كانت حالات وفاتهم مشابهة لتلك..
وأريد هنا أن أذكر حادثة مؤلمة جدًا جرت لصديق لي في المعتقل حث تم صعقه بالعصا الكهربائية في عضوه الذكري والخصيتين!! وأغمي عليه أثناء التحقيق… وأعادوه لنا إلى المهجع مغمى عليه وبعد أن استعاد وعيه تكلمت معه وروى لي كيف تم تعذيبه بتلك الطريقة الوحشية… وفيما بعد أخبرني أنه يحس بحالة برود تامة… وحسب ما قال أحد الأطباء أنه ربما قد فقد رجولته وقدرته الجنسية…

كيف كانت حالتك النفسية في ظل هذه الظروف؟
لا أستطيع أن أصف تلك الحالة التي كنت أعيشها… كانت قاسية جدًا لكن ربما أننا تعودنا على ذلك، وبدأ تأثرُنا بذلك ينقص…

هل هناك من كنت تعرفه قبل السجن ووجدته هناك؟
لا لم أرى أي شخص من نفس مدينتي أو من أصدقائي عدا ذلك الذي أخبرتك أنه تعرض للصعق بالكهرباء..

التعذيب هذه كان يمارس بشكل مستمر مع المعتقلين؟
لا، هذا التعذيب يتعرض له المعتقل في الفترة الأولى عند اعتقاله فقط… أي أثناء التحقيق وهذه الفترة قد تقتصر على بضعة أيام وقد تبلغ عدة أسابيع… ولكن بعد انتهاء التحقيق يبقى الشخص معتقلًا وحريته مقيدة دون أن يتعرض لأي تعذيب -إلا ما ندر- حتى لحظة الإفراج عنه…

ماذا تحب أن تقول بعد خروجك من المعتقل؟
الحمد لله… ها أنا الآن بين عائلتي ولله الحمد

تابعنا على تويتر


Top