النظام مازال في داخلنا

-مازال-في-داخلنا.jpg

محمد فواز- عنب بلدي

«كان شخصًا طيبًا من قريتي وكان كل الناس يحبونه لبساطته على الرغم من فقره، وبعد اندلاع الثورة كان من أوائل الناس الذين خرجوا وحملوا السلاح ضد النظام، ومع الأيام صار قائدًا لأحد أكبر الفصائل في المنطقة».
كل شيء تغير، فذاك الثائر تحول مع عناصره رمزًا للاستبداد في منطقتنا، بحسب تعبير أحمد، وهو شاب من ريف إدلب، وتابع «لا أعلم ما السبب الذي دفعه للتغيير السلبي!».

تربى المرابي على منكان رابيها

مثل شعبي يقال في سوريا، تجد له مصداقية كبيرة اليوم، فما يظهر من بعض سلوكيات الناس ولاسيما في المناطق الخاضعة للمعارضة، ينبئنا أن التربية الفاسدة التي تعمدها النظام خلال أربعة عقود مازالت آثارها موجودة وبقوة، وإن عبر الشعب عن رفضه للنظام لكنه زرع تلك الأفكار والسلوكيات في عقول وقلوب الناس، وأغلبها يظهر بشكل لا شعوري ولا يخضع للمحاكمة العقلية.
وهذا ما يفسر المشاهدات والتصرفات التي يظهرها كثير من الناس في المناطق المحررة، الأمر الذي دعا البعض إلى ثورة جديدة تعيد القيم إلى المجتمع وتكون امتدادًا للثورة ضد النظام، فرفض الظلم والقمع والاستبداد الذي مارسه النظام والتعبير عنه وحتى مواجهته عسكريًا لا يكفي على المستوى النفسي للتخلص من الآثار السلبية المخيمة على المجتمع، فحتى طريقة محاكمة الأمور والتصرف في المواقف وخصوصًا عند من أصبح يمتلك سلطة ما، يخضع بشكل كبير لتلك الأفكار.
ويقول علم النفس: إن الفرد تتراكم لديه الخبرات والمعتقدات وطريقة السلوك بشكل بنائي طول حياته وتصبح تصرفاته مبنية على الخبرات السابقة التي اكتسبها من مشاهداته، وكلما زاد تفشي سلوك ما أو فكرة ما في المجتمع فمن المتوقع أن يكون ذلك الفرد محكومًا بها وتصبح مزروعة لديه في اللاشعور، بحيث يتصرف أو يفكر بداهةً بتلك الطريقة. ولو أسقطنا تلك الفكرة على المجتمع السوري لوجدنا أن جيلًا كاملًا نشأ على المبادئ والسلوك والأفكار التي كان يريد النظام للناس أن يعتقدوها أو يتصرفوا بها.

إما قامعًا أو مقموعًا

وعلى سبيل المثال، فإن الفكرة القائلة «إما أن تكون قامعًا أو مقموعًا» موجودة في أعماق الكثيرين منا وبقوة، لذلك نجد من امتلك السلطة في المناطق «المحررة» أصبح محكومًا بتلك الفكرة، فهو يحس بالخطر على نفسه إن رأى الناس يعترضون عليه أو ينتقدونه، لذلك وبشكل لا شعوري وبناء على تلك الفكرة المغروسة فيه تجده يقوم بقمع من حوله كي يزول الخطر عنه.
وما تلك التصرفات والاعتقالات الأخيرة لبعض الناشطين والناس، من قبل جيش الإسلام مثلًا، إلا تجسيدًا لهذه الفكرة، فما إن تعالت الأصوات ضده المطالبة بفك الحصار عن الغوطة الشرقية في ريف دمشق والإفراج عن بعض المعتقلين، حتى بادر إلى حملة اعتقالات قمعية وأصبح يكيل التهم لمن يتحدث ضده على أنه عميل أو خائن وهدفه زعزعة الأمن، وبات يعمل على إسكات تلك الأصوات نهائيًا.
ولو نظرنا لقادة أو أفراد جيش الإسلام لوجدنا أن معظمهم من خيرة الشبان الذين ثاروا بصدق ضد النظام، لكن ما دفعهم لتلك التصرفات هو الفكرة أو المسلمة التي أشعرتهم بالخطر على أنفسهم ووجودهم.
وما ذكرناه هو مثال واضح على تربية النظام، وقد تجد انعكاسات هذه الفكرة في العمل، وحتى بين الرجل وزوجته، ويتدرج الأمر في كل شيء حتى أصغر سلوك، فلو شاهدت مقطعًا مصورًا لاعتقال جندي تابع لقوات الأسد من قبل فصيل معارض لوجدت أن أسلوب الكلام والتحقيق يشابه إلى حد كبير نهج الأجهزة الأمنية التابعة لنظام الأسد، على الرغم من كرههم للنظام إلا أنهم لا يمتلكون طريقة أخرى للاعتقال تغاير ما رأوه وتربوا عليه.
وبناء على المعطيات السابقة، يتوجب على المواطن والثائر السوري بعد رفضه للأفكار والسلوكيات السلبية، أن يختار بشكل واعٍ طريقة للقياس والتصرف غير تلك التي زرعت فيه غصبًا وقهرًا وبهذا تكمل الثورة مشوارها.

تابعنا على تويتر


Top