رغم الحرب… طباشيرهم لازالت ترسم الأمل

.jpg

منذ أربع سنوات ونيّف بدأت القصّة على أيديهم، أطفال درعا؛ بكلماتٍ بسيطة كتبوها على جدرانٍ تنزّ صمتًا أشعلوا غضب نظام الأسد، فصبّ الأخير جام عنفه على ثورة الأيتام التي راحت تنتقل من مدينة لأخرى لينتهي حال السوريين أخيرًا تحت رحمة نيران الحرب. الأطفال الذين بكتاباتهم بدأت الحكاية، صاروا اليوم عقدتها، وفي تفاصيل حياتهم وحدهم يمكننا تلخيص كل أحداثها.

حنين النقري – عنب بلدي

نور في القبو

نور (10 سنوات) طفلة من غوطة دمشق الشرقية، تعيش في منزل جدّتها مع عائلتها، تحدثنا عن حياتها في ظل الحرب والحصار، فمنزلها قُصف بغارة طيران منذ عامين أثناء تناولهم وجبة الإفطار، وكانوا محظوظين بنجاتهم جميعًا مع بعض الجروح. لجأت عائلة نور للسكن في منزل جدّتها، إلا أن الحادثة تركت لدى الأم خوفًا دائمًا على أبنائها من القصف، ما يجعلهم يمضون معظم أوقاتهم في قبو مظلم يستخدم كمستودع للبناء. تقول نور «أمي تخاف علينا من القصف، بمجرد أن تسمع صوت الطيارة والقذائف، تأمرنا بالنزول إلى القبو، أنا لا أحب القبو لأنه مظلم ولا كهرباء تنيره، لكنّ أمي تجبرنا على ذلك».
في القبو تمضي نور مع أختها وأخيها الوقت بألعاب يبتكرونها مع أبناء الجيران متجاهلين القصف وأصوات الحرب، لكنّ ذلك يعني أن يتخلفوا عن مدارسهم في أيام القصف، وهو أمر تكرهه أختها فلك (12 سنة)، فهي تحب المدرسة ويهمها تحصيلها الدراسي، تقول فلك «تمنعنا أمي من الذهاب إلى المدرسة أحيانًا بسبب القصف، لكنني أحب مدرستي ولا أريد أن يتفوّق أحد عليّ، بُعد مدرستي يجعل أمي تجبرني على التزام مكاني دون أن تستجيب لبكائي ودموعي».

النجاة عبر النجاح

يتفق عدد من علماء النفس على أنّ صعوبة الظروف والشدائد قد تدفع الإنسان لإخراج أفضل ما فيه، ويبدو أن هذا ما حصل مع تسنيم (15 عامًا) من الغوطة الشرقية، التي كانت تعيش مع عائلتها في المنزل الذي وُلدت فيه، إلى أن جاء شهر شباط 2015؛ قُصف المنزل أثناء تصعيد النظام على الغوطة، صاروخ جويّ دمر منزل تسنيم كلّيًا، خرجوا جميعًا بإصابات عديدة واستشهد أخوها. تقول تسنيم «كانت لحظات صعبة للغاية، أصبت بكسر في جمجمتي وجروح في وجهي، أصيبت أختي، واستشهد أخي زهير، خسرنا منزلنا وذكرياتنا فيه، لن أنسى هذه اللحظات أبدًا».
إصابة تسنيم الشديدة منعتها من الدوام في المدرسة طيلة الفصل الدراسي الثاني، لكنّها أصرّت على أداء امتحان الشهادة الإعدادية بمساعدة مركز «حرّاس» لرعاية الطفولة، حيث تلقّت دروسًا تعوض بها ما فاتها، لتؤدي الامتحان وتنجح فيه رغم كل الرعب والآلام التي عانتها.
ترى تسنيم أن التعليم هو أكثر ما يمنحها شعورًا باستمرار الحياة في ظل الحرب والحصار وصعوبة الظروف المادية، بينما تقول إن هناك الكثير من الأمور التي تؤلمها، تشرح بقولها «مثلًا من أكثر الأمور التي تذكرني بالحرب هو أن الطريق الذي أسير فيه يوميًا إلى منزلي تغيّر.. لأنني فقدت منزلي».
«أريد أن أتابع دراستي»، هذا ما قالته تسنيم عند سؤالنا لها عن مستقبلها، «أريد أن تنتهي الحرب، لأستطيع متابعة دراستي في الجامعة، أحلم أن أدرس الصحافة لأكشف الحقائق للناس، وأنقل ما يجري في كلّ مكان»، وتضيف بابتسامة «رغم كل شيء.. أنا متفائلة».
شبكة حرّاس هي أحد أهم المراكز التي تقدّم الدعم النفسي والاجتماعي في الغوطة المحاصرة لرعاية الأطفال المعرضين للخطر، تخبرنا مديرة المركز، الأستاذة ميمونة، في لقاء معها عن عدة برامج للدعم النفسي للأطفال كالدعم عن طريق اللعب، وبرامج لدمج ذوي الاحتياجات الخاصة، دعم الأطفال المنقطعين عن التعليم أو المعرضين لمخاطر التجنيد أو الزواج المبكر أو العمالة. الأستاذة ميمونة قالت أيضًا إن المركز استقبل العديد من الحالات وتمكن من مساعدتها، «كحالة الطفلة تسنيم التي كانت في وضع صعب صحيّا ودراسيًا، لذا قمنا بإنشاء برنامج للتأهيل الدراسي لمتابعة دراستها بشكل خاص هي وعدد من الطلاب ممن انقطعوا عن الدراسة ليتفرغوا للعمل، وكان النتيجة نجاح 5 من أصل 8 طلاب، بالإضافة إلى تسنيم».

أطفال.. ليسوا أطفالًا

رغم أن الحرب سلبت من الناس أمورًا عدّة، لكنّها في المقابل منحتهم بعض الهبات، هذا ما شعرنا به عند لقاء حسام (12 عامًا)، من الغوطة الشرقية أيضًا، إذ كان يبدو أكبر من عمره بوضوح، صوته، نظراته واهتماماته، كل ما فيه يشي بنضوجه المبكّر. يدرس حسام في إحدى المدارس المتبقية في مدينته، يحلو له زيارة مكتبة عامة في وقت فراغه ليقرأ. عندما سألناه عن أثر الحرب عليه، أجاب بثقة «هي حلوة ومرّة، من الأمور التي منحتنا إياها الثورة الحرية في إبداء الرأي، فمن يرغب بشتم بشار الأسد يمكنه ذلك، ومن يرغب بشتم الجيش الحر يمكنه ذلك أيضًا».
أخبرنا حسام أنه يحاول إكمال حياته ودراسته دون اهتمام بالحرب، يحاول أن ينساها، لكن كل ما حوله يذكره بها، «عندما يبدأ الطيران بغاراته يمكنني أن أسدّ أذني بأصابعي لأتجنب صوته، لكن هل يمكنني أن أوقف قلبي عن الخفقان؟ هل يمكنني أن أوقف مشاعر الخوف لدي؟ ربما يكون القصف بعيدًا عن بيتي، لكن هل يمكنني أن أوقف تفكيري بمن تسقط القذائف على رؤوسهم في هذه اللحظة؟».
أمام هذا الوعي سألنا حسام عما يراه في المستقبل، فأجاب أنه لا يراه، فهو بعيد جدًا، «لا يمكنني التفكير في مستقبلي ما دامت الحرب قائمة، أمنيتي الحالية هي أن يتوقف القتل وتنتهي الحرب، وحالما تنتهي أعتقد أنني سأكون شخصًا يعمل على تعزيز قيم الخير والعدالة في مجتمعه» يستطرد ضاحكًا «بالطبع إن كنت على قيد الحياة حينها».
حسن طفل آخر من الغوطة الشرقية أشعرتنا المسؤوليات التي يحملها أنه أكبر من سنواته الإحدى عشرة، لكنّ أحلامه وأمنياته ذكرتنا بأنه طفل مجدّدًا. فحسن هو المسؤول عن شراء الحاجيات والخضار لأسرته بسبب غياب والده عن المنزل، يذهب إلى أماكن بعيدة ليشتري من البضائع المحليّة القليلة المتاحة في ظلّ الحصار، يقول حسن إنه يفتقد ألعابه التي دُفنت تحت أنقاض منزله، يفتقد التلفاز وبرامج الأطفال التي حرم منها لانقطاع الكهرباء، «لكنني ألعب مع أختي في المنزل، أصنع ألعابًا من الورق لها، ونلعب بالحجارة أيضًا، أحيانًا تسمح لي أمي أن ألعب مع أصدقائي في الحارة عندما يهدأ القصف». وعن أمنياته يقول حسن «أتمنى أن تنتهي هذه الأوضاع، أو أن أحصل على بعض الفواكه والملابس، أتمنى أن أمتلك كمبيوترًا لألعب مع إخوتي عليه».
تصف أم حسن ابنها بأنه «رجل المنزل»، فهو يأتي دومًا باحتياجات البيت، فقد علّمته الحرب الاعتماد على نفسه بشكل تام، ورغم ذهاب حسن إلى المدرسة إلّا أن أمه تخشى ألا يكمل تعليمه إن استمرت الأوضاع على هذه الشاكلة، فالدوام الدارسي اليوم اقتصر على ثلاث ساعات يوميًا، كما تقول، وتم إلغاء جميع الحصص الترفيهية والفنية والرياضية في المدارس، «أتمنى أن يحميه الله لي وأن يكمل تعليمه».
وتشير الإحصائيات الصادرة عن المجلس المحليّ لمدينة دوما عن تقلّص عدد الطلاب في مدارسها من 70 ألف طالب قبل الحرب، إلى ما يقل عن 14 ألف طالب حاليًا، نتيجة دمار ما يزيد عن 10 مدارس من أصل 30 مدرسة بشكل كامل، بالإضافة لسوء الأوضاع الأمنية وتسرّب العديد من الطلاب من الدارسة واتجاههم للعمل أو التجنيد أو الزواج المبكّر.

حسام، تسنيم، نور، فلك، حسن، أطفال من غوطة دمشق المحاصرة، حمّلونا آمالهم وآلامهم، ضحكاتهم ودمعاتهم، تفاؤلهم ويأسهم، كلّهم ادعوا أنهم اعتادوا الحرب وظروفها، لكن عند أول إشارة منا للمستقبل وأمنياتهم تجاهه؛ أجابوا دون تردد «أن تنتهي الحرب».
فهل أوصلنا رسالتهم؟

نشرت في جريدة بوليتكين الدنماركية بتاريخ 24 آب 2015

تابعنا على تويتر


Top