السوريون الأوروبيون

محمد رشدي شربجي

يذهب السوريون بالآلاف يوميًا إلى أوروبا، البعض منهم يعتبرها أرض الأحلام وفردوس الأرض، والغالبية -باعتقادي- يرونها ملاذًا أخيرًا بعد أن سدت كل السبل في وجوههم، خاصة في دول الجوار ومصر، مع اختناق سياسي وميداني لا يبشر بأي نهاية قريبة للثورة في سوريا.
بعد سنوات قليلة سيكون جزء معتبر من الشعب السوري حاصلًا على إحدى الجنسيات الأوروبية، ما سيجعل السوريين إحدى الجاليات الإسلامية والعربية الكبرى في أوروبا عامة والسويد وألمانيا خاصة.
لدى جميع الأقليات في «عصر الهويات» الذي نعيشه اليوم (بحسب تعبير الفيلسوف الفرنسي مارسيل غوشيه) مشكلة اندماج، ليس أدل ما أظهره الاستفتاء الأخير في أيلول العام الماضي في اسكتلندا من رغبة قطاع واسع من الاسكتلنديين (45%) الانفصال عن بريطانيا بعد اتحاد دام منذ 1707م، كما نشاهد شعور المواطنين السود بالتمييز في فيرغسون وبالتيمور في أمريكا بالرغم من مضي عقود على استرداد الزنوج حقوقهم قانونيًا هناك.
تعتبر الجاليات الإسلامية من أكثر الجاليات التي لديها شعور عميق بالتمييز في المجتمعات الأوروبية، ولعل هجران آلاف الشبان المسلمين لبلدانهم الأوروبية والتحاقهم بتنظيم الدولة الإسلامية أصدق تعبير عن الأزمة التي يعيشها المسلمون في الغرب.
ويمكن الحديث عن عدة أسباب لتفسير هذا الشعور، فبداية الإسلام هو الدين الوحيد في العالم حاليًا الذي لم يتعرض للعلمنة كغيره من الأديان، وأقصد هنا أنه الدين الوحيد الذي ما زال قسم كبير من أتباعه يرون أنه يجب أن يكون له دور في كل تفاصيل الحياة سواء المجتمع أو السياسة أو القانون، كما أنه يحتفظ بمكانة لا تمس في نفوس المسلمين جميعًا بمن فيهم غير الملتزمين، نادرون جدًا الذين تجرؤوا على انتقاد الإسلام أو التشهير به، ومن فعلوا ذلك كانت النقمة الشعبية عليهم عارمة.
يساهم في تعزيز مكانة الإسلام فشل النماذج العلمانية في الدول الإسلامية كلها تقريبًا، وتحولها لدول استبدادية مريعة، بينما بقي الإسلام بنظر أتباعه ينتمي لذلك الزمن الجميل الذي كان للمسلمين فيه «دولة واحدة مهابة الجانب من الأعداء»، ويجب القول هنا إن سوء الواقع «العلماني» يغلب فهمًا تاريخيًا «أسطوريًا» للدين، مثل الآنفة الذكر بين قوسين، فلم يحدث أبدًا منذ القرن الأول الهجري أن اجتمع المسلمون تحت إرادة سياسية واحدة، ولكن سوء «الواقع» يعزز « المثال»، كما يقال.
على الجانب الآخر تعرض الدين لعمليات علمنة شاملة في الغرب، تختلف الدول الأوروبية قليلًا أو كثيرًا بنظرتها للدين، ولكنها تتفق جميعًا بضرورة تحييده عن الحياة والدولة كليًا، ثم تقزيمه فقط لعلاقة بين العبد وربه، حتى انتهى الأمر ببابا الفاتيكان أن يعترف بالشذوذ الجنسي، والعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج وغيرها مما كان يعتبر محرمات مسيحية.
من أسباب عدم الاندماج أيضًا حالة العداء التاريخية بين الإسلام (ممثلا للشرق) وبين الغرب المسيحي، فبحسب إدوار سعيد فإن الشرق بنظر الغرب لعدة قرون كان هو الإسلام، ولم يشكل حالة مقاومة للغرب وتهديد له في عقر داره على مدى قرون إلا الإسلام بحسب سعيد، ويضاف إلى ذلك أن المهاجرين المسلمين إلى أوروبا اليوم أتوا هربا من أوضاع كارثية في بلدانهم ساهم الغرب نفسه في صناعتها، فلا يمكن فهم «الكيان» السوري أو اللبناني بشكله الحالي دون قراءة التاريخ الفرنسي في هذين البلدين، وذات الأمر ينطبق على بلدان المغرب العربي مع الاستعمار ذاته.
يضاف إلى ما سبق نمط الثقافة المريض المعتل لدى كثير من المسلمين والعرب، وذلك بسبب قرون طويلة من الاستبداد السياسي، فالحكومة بنظرنا هي عدو مهمته الوحيدة سرقتنا ونهب أموالنا، وردنا بالمقابل يكون بذات الأفعال. ومن نماذج الاعتلال أيضًا نمط التدين المتزايد باطراد والذي يقسم العالم بشكل حاد إلى مسلمين وكفار، ثم يشرع الموبقات إذا ارتكبت بحق «الكفار» ويحرمها إذا ارتكبت بحق «المسلمين».
نذكر أخيرًا التطور التكنولوجي الهائل الحاصل في السنوات الأخيرة، والذي جعل المهاجرين على علاقة لحظية مع مجتمعاتهم الأصلية الأمر الذي يزيد من صعوبة اندماجهم في المجتمع الجديد.
إن الأسباب السابقة مجتمعة مع عنصرية منتشرة في أوروبا وحملات إسلاموفوبيا موجهة هي العوائق أمام اندماج المسلمين (ومنهم السوريون بالطبع)، وبكل تأكيد فإنه ليس هنالك من حل سحري لكل هذا، وبكل تأكيد لذلك فإن انغلاق المسلمين على ذاتهم بحجة الحفاظ على هويتهم هو أفضل علاج لذبول هذه الهوية وازدياد مشكلاتها.
باعتقادي على السوريين اليوم أن يكنوا كل الاحترام والتقدير لمجتمعاتهم الجديدة، وهذا لا يعني الاستلاب والذوبان التام ومن ثم المشاركة في العنصرية ضد الذات (أن يشتم العرب والمسلمون عربًا ومسلمين آخرين عنصريًا ليس أمرًا نادرًا اليوم)، وإنما المعنى أن يسعى المسلم لخدمة هذه البلاد التي استقبلته وكرمته بعد أن طرده بنو قومه.
التوازن بين الحفاظ على الهوية وخدمة المجتمعات الجديدة أمر صعب جدًا بالتأكيد، ولكنه باعتقادي الحل الوحيد ليعيش المسلمون بسلام مع أنفسهم بداية وليستغلوا الفرص المتاحة في الغرب لخدمة مجتمعاتهم الأصلية وقضاياها.

تابعنا على تويتر


Top