زواج المهاجرين.. تعقيدات اجتماعية وقانونية في دير الزور

-المهاجرين.jpg

عوائق تواجه عمل الموثقين في مناطق سيطرة التنظيم، لذا لا إحصائيات دقيقة عن الظاهرة، لكن ناشطي المدينة يقولون إن الحالات بالمئات؛ وكما تتباين دوافعها، كذلك تتنوع الانعكاسات والمشكلات الناتجة عنها.

سيرين عبد النور – ديرالزور

بين الخشية والطمع، زيجات معظمها بالإكراه

“ليست فقط هيبة التنظيم ما يدفع الأهالي إلى الموافقة على العريس الغريب”، كما تقول حسنة ابنة حي الحميدية لعنب بلدي، “عديدون يرغبون بالتقرب من التنظيم طمعًا بالسلطة أو المال وسط ظروف مالية متعسرة، وقلة الأعمال الحرة خارج التنظيم”.
في حين لا يمتلك معظم الأهالي “ترف” رفض الخاطب، إذ يتسبب لهم ذلك بمشكلات وردود انتقامية من قبل التنظيم، لذا تعتبر حسنة زواج ابنة جيرانهم “سبيًا” كونه تم دون موافقة الفتاة، التي حاولت الفرار مرارًا ولم تفلح.
وبحسب تقديرات الناشط أبو بكر في مدينة دير الزور فإن حالات زواج محليات من عناصر مهاجرة في تنظيم الدولة “بلغت المئات”. ورغم أنه يدين هذه الزيجات شخصيًا لكنه “يلتمس العذر” لمن يقبل بها من الأهالي والفتيات.

قيود بلا استقرار

يصعب التنبؤ بما سيأتي بعد الزواج بـ “مهاجر”؛ والارتباط بأحد عناصر التنظيم يعني مشاكل منها سوء المعاملة، والضرب، والإجبار على الالتحاق بدورات شرعية وفقهية، اعتناق أفكار التنظيم وتبنيها، كما يقول حسون، شقيق فتاة زوجت لمهاجر، ويضيف “الاقتران بأحد عناصر التنظيم يمثل قلقًا مستمرًا… إذ لا يلتزم مقاتلوه مكانًا محددًا، وكثيرًا ما يرحل المقاتل إلى جبهة دون أن يحدد وجهته تاركًا الزوجة في حالة ضياع، وانتظار معلق؛ فلا تعرف مكان زوجها ولا التأكد ما إذا كان على قيد الحياة”.

مآرب “الخلافة”

لتنظيم الدولة دور في تشجيع مهاجريه على الزواج بـ “محليات” لأنه يرى فيه ما يتجاوز تأمين حاجات مقاتليه؛ بالنسبة للتنظيم، يشكل هذا الزواج شبكة علاقات تخترق المجتمع المحلي وتتغلغل فيه، ويقع على عاتق الزوج استغلال البيئة والظروف لاستكشاف خبايا البيئة المحلية بهدف تعزيز السيطرة عليها وتقوية نفوذ التنظيم وجذب مزيد من العناصر إلى صفوفه.

عواقب لا تحمد

الناشط أبو بكر في مدينة ديرالزور يقول إن لأهالي المنطقة تجربة مشابهة سابقًا مع عناصر جبهة النصرة، “وللأسف كانت تجربة مريرة، إذ هاجر الأزواج تاركين نساءهم مشردات، لا يعرفن حتى اسم الزوج الحقيقي”. وعن الظاهرة الحالية، يرى أنها تبرز مشاكل اجتماعية وقانونية تتعلق بطرق تثبيت الزواج، والأولاد الناتجين عنه، إذ لا يعرف اسم الأب الحقيقي غالبًا، وتغيب أي بطاقة تعريف قانونية يستند عليها لنسب الطفل، “بالتالي تترك المرأة مع طفل لا يعرف والده ليكون بمرتبة واحدة مع طفل الزنى”.
جانب آخر من المشكلة سلط عليه الضوء الباحث الاجتماعي طه العبيد خلال حديثه مع عنب بلدي، إذ نوّه إلى انخفاض متوسط سن تزويج الفتيات بشكل ملحوظ، حتى بلغ 13 عامًا في منطقة “كانت ترفض الزواج المبكر”، مضيفًا ” كما أن التهديد بتزويجها من مهاجر أصبح سيفًا يشهره الأهل في وجه الفتاة عند رفضها المتقدمين لخطبتها”.
النتائج الآنية الأكثر وضوحًا لتزويج فتيات من مهاجرين، أو الضغط عليهن ومحاولة إجبارهن على ذلك هي محاولات الهرب، كما فعلت ريم، ابنه الـ 19 ربيعًا، بعد أن زوجت لشاب لا تعرف عنه سوى لقبه الحركي في التنظيم (أبو الوليد الجزراوي)، وذلك قبل 7 أشهر، قالت إنها ذاقت خلالها “شتى أنواع العذاب” في “بيت أقرب إلى السجن”، ومنعت حتى من زيارة أهلها، ما دفعها للهرب من بيت “سجانها” في ريف دير الزور نحو الأراضي التركية، “لا أحمل سوى الثياب التي تستر جسمي وقليلًا من المال”.
البعض حاولن وفشلن، وأخريات ما زلن يحاولن؛ والبعض وجدن في الانتحار خلاصهن الأخير، مفضلات الموت على “جحيم برفقة شبح غير معروف الهوية”؛ وإثر التضييق الأمني في مناطق سيطرة التنظيم، يصعب توثيق هذه الحالات، وإن وثقت نهاية العام الماضي إحداها في الرقة.

وعاقبة من نوع آخر

من بين القصص التي رواها الأهالي لعنب بلدي، برزت قصة مختلفة، رواها أبو دحام من حي العمال، عن عائلة كانت تقطن الحي نفسه؛ تقدم مهاجر تونسي لخطبة ابنتهم، فطلبوا مهرًا مرتفعًا بقصد التهرب بطريقة غير مباشرة لتجنب تبعات سلبية لرفضه. المفاجأة كانت بموافقة الخاطب الذي دفع مبلغ قرابة 5 ملايين ليرة سورية، بحسب أبو دحام، قبضه الأب وطلب يومين “لتجهيز العروس” هربت العائلة خلالها خارج المنطقة.

ضعف التوثيق

عوائق أمنية جعلت عمل الموثقين لحالات ظاهرة الزواج القسري من مقاتلي التنظيم “شبه مستحيل”، ومنها “الرقابة المشددة من التنظيم، إضافة إلى عدم تصريح الأهالي بهذا الموضوع”، بحسب المسؤولة عن قسم المعتقلين والمرأة في الشبكة السورية لحقوق الإنسان، نور الخطيب.
وأضافت المسؤولة في تصريح إلى صحيفة العربي الجديد، “هناك العديد من الحالات في دير الزور ومنبج، شمال شرق حلب، لم نستطع توثيقها أو الوصول إليها بسبب نقص المعلومات، وصعوبة حركة الناشطين والإعلاميين، الذين يعتبرهم داعش هدفًا له، إضافة إلى سوء الأوضاع الأمنية”.
وقالت “لا يمكننا إحصاء الأعداد الفعلية على الأرض، نحن نوثق حالات تأتينا من مكتب جمع معلومات الانتهاكات ونتابعها من خلال الشبكة، والزيجات في تزايد بسبب زيادة عدد المهاجرين كل يوم، إضافة إلى ذلك توجد انتهاكات وثقناها بحق المرأة، إذ يقوم التنظيم بتقييد حركة المرأة ومنعها من العمل، وتوجد حالات ضرب في الأسواق الشعبية بسبب عدم التزام المرأة باللباس الشرعي”.

تابعنا على تويتر


Top