نظام الولي الفقيه والعلويون في سوريا.. إلى أين؟

حذامِ زهور عدي 

من يتابع تصريحات ساسة إيران لا يفاجأ بتدليسهم، وكأن التدليس جزء لايُستغنى عنه من براعة السياسة الإيرانية التي يمارسونها، فتارةً يفخرون ويتباهون، الكبير منهم قبل الصغير، بسيطرتهم على عواصم عربية أربع، وطورًا يتحدثون عن الشعوب المظلومة التي تتحرك مطالبة بحقوقها على أن موقفهم منها هو فقط ضمن إطار إسداء النصح والمشورة والتأييد السياسي لا غير.

السياسة الإيرانية في المنطقة العربية

والواقع أن المليشيات والأحزاب الطائفية لم تعرفها المنطقة العربية إلا من خلالهم ومن صناعتهم، فهم سلحوها ونظموها ودربوها ووضعوا لها هدفًا ديماغوجيًا (استراتيجية لإقناع الآخرين بالإستناد إلى مخاوفهم وأفكارهم المسبقة) بحتًا يقوم على الثأر التاريخي لآل البيت، ثم جعلوها رأس حربة لنفوذهم في المنطقة العربية ودفعوها لإثارة الفوضى وتدمير البلاد.

والسؤال الآن لماذا تتعمد السياسة الإيرانية المبالغة في إظهار تدخلها وترصد عشرات القنوات الفضائية عدا عن وسائل الإعلام الأخرى لتبريرها حينًا وتتعمد الاختباء بعيدًا عنها أحيانًا أخرى؟

هل هذه هي ثعلبتهم السياسية المشهود لهم بها، أم هناك أهداف أخرى لملالي إيران ستتضح في مستقبل الأيام مع أن المتابعين بدؤوا يتلمسونها ويرونها عيانًا.

ماذا وراء المفاوضات الإيرانية في مناطق سوريا

ذلك السؤال يستحضر سؤالًا آخر وهو لماذا يبادرون في سوريا إلى التفاوض المباشر مع كل جيب معارض للنظام، بعد دفع جيشه ليفرض عليه حصارًا خانقًا مميتًا؟ لماذا لايتركون أمر التفاوض لمن يُمثل ذلك النظام ويصرّون على التفاوض بأنفسهم؟

وهو ما حدث في حي الخالدية بحمص منذ سنتين عندما تعهد الإيرانيون للثوار بالخروج الآمن ثم تركوا للنظام حرية الفتك بهم، وتراهم أيضًا منذ أكثر من سنة يفاوضون أهالي حي الوعر (وهو الحي المتبقي لأهالي حمص واحتشد فيه من لم يستطع الهجرة من المدينة)، مشترطين عليهم وجود مكتب إيراني داخل الحي ليشرف على أمنه.

وما زالت المفاوضات جارية حتى الآن كما لا زال الحي محاصرًا يستقبل الصواريخ والبراميل، علّه يرضخ لما يريدون من شروط.

من يتتبع خط مفاوضات الإيرانيين (في القلمون والزبداني والفوعة وكفريا) يلاحظ تمامًا الخط الجغرافي الذي ينوون اقتطاعه من سوريا لصالح الإمارة الساحلية التي يعملون على إقامتها واستتباعها لنظام ملاليهم، تحت شعار حماية رموز الشيعة من آل البيت أو حماية محور الممانعة مع أن الشعار الأخير بات باهتًا في الإعلام الشعبي وإن بقي محافظًا شكلًا على تواجده في نظيره الرسمي، وكأن الثأر لآل البيت أو ممارسة الممانعة والمقاومة لا تتم إلا إذا ضاعت سوريا وتفرقت شذر مذر.

جميع المسائل يجب أن تمر على إيران

وإذا عدنا إلى سؤال لماذا يباشر الإيرانيون المفاوضات بأنفسهم؟ فلن نجد جوابًا منطقيًا غير أنهم يريدون إقناع العالم والثوار السوريين بأنهم أصحاب الأمر والنهي وبأن أي حل للمسألة السورية يجب بحكم الواقع أن يمرّ من خلالهم، وبالتالي يفرضون حضورهم في جنيف3 شاء من شاء وأبى من أبى.

وعلى الدبلوماسية الشرقية والغربية والعربية وعلى منظمات المعارضة السورية ليس فقط أن تتقبلهم على طاولة المفاوضات بل أن تطالب بهم وتعلن استسلامها لمطالبهم إن أرادوا إيقاف نزيف الدم السوري وإن أرادت دول اللجوء إيقاف عبء الهجرة إليها.

هل يقبل المؤيديون أن تتحكم بهم إيران؟

من جهة أخرى، هل من مصلحة النظام ومؤيديه الاستمرار في هذه اللعبة؟ وهل يعتقد أنه سيستمر في الحكم بعدما تنفذ السلطة الإيرانية مخططها؟ وهل تقبل الحاضنة الموالية له أن يتحكم بها الولي الفقيه؟

ما مصلحة الطائفة بتكوين إمارة لايمكن تأمين استقرارها؟ وهل تتشابه إمارة حماس أو حزب الله اللبناني والظروف الفلسطينية واللبنانية مع الوضع السوري؟

من المشكوك جدًا إمكانية تشكيل الإمارة الساحلية السورية في عمق سهل الغاب ومدينة حمص وشريط القلمون كما يخطط ملالي إيران، ليس فقط لتداخل المذاهب في بنيتها الديموغرافية واستحالة تنفيذ التهجير القسري حتى لو وصل العنف مداه، كما حدث في حمص وغيرها من المناطق السورية، وإنما لسببين آخرين لايقلان أهمية عما سبق.

السبب الأول، هو أن هذا العنف سيطال أيضًا الفئة الأخرى، التي لا تُجمع أصلًا على مثل هذا الحل والذي سيعرضها لعداء تاريخي وحصار ديموغرافي ليس في مصلحتها المستقبلية، ولاتريده ثمنًا لأوهام آل الأسد في استمرار سلطتهم أو أوهام سلطة الملالي في إيصال نفوذهم إلى شرق المتوسط.

سياسة الإبادة.. إيران ليست أرحم من الأسد

عملت النخب السورية بجهد كبير على تخليصها من القوقعة التي كانت معزولة فيها أيام الدولة العثمانية، ومنذ الاستقلال ونخب الطائفة تتعاون مع نخب الطوائف الأخرى بإدماجها وغيرها ضمن مفهوم الأمة والمواطنة، حتى احتاج حافظ الأسد لمن يدعم حكمه بعد حركته المشهورة والتي لم تجد حاضنة حزبية أو شعبية لها.

حافظ الأسد أثار أحقادًا كانت الحداثة والنضال التحرري قد طواها، إذ قدم لبعض أفراد الطائفة مكاسب وأطلق يد الفساد في نهب الشعب ليلم خلفه وقودًا يدافع عنه، وأثار رعبهم بمعادلة إما أنا أو الإبادة لكم، وسيكتشف أبناؤها المغرر بهم عاجلًا أو آجلًا أن ملالي إيران لن يكونوا أرحم عليهم من الجحيم الذي قذفهم الأسد وابنه فيه، وأن التاريخ لا يصح فيه إلا الصحيح.

مذهب الولي الفقيه مختلف عن العلوية

السبب الآخر هو الاختلاف المذهبي بين مذهب الولي الفقيه والمعتقدات العلوية، وهو ليس بالاختلاف البسيط مهما حاول الإيرانيون نشر التشيع بين ظهرانيهم، ومهما ترك بشار الابن للأمواج الملالية أن تغمر البلد الذي اؤتمن عليه، وفضّلهم على القيام بإصلاحات حقيقية كان الثوار سيكتفون بها في بدايات الثورة لو صدقت النوايا، وكانت البلاد والعباد ستصان من كل تلك الشرور التي وضعته أسرته ومرتزقته والإيرانيون بها.

ومن المعلوم أن كثيرًا من الموالين الآن للأسد يرفضون تسلط الملالي عليهم وحكاية إعدام الحرس الثوري عددًا من ضباط الجيش الأسدي، والتي أشاعوا آنذاك أنها بسبب الفساد، غالبًا ما كانت بسبب معارضة هؤلاء الضباط للأوامر الإيرانية، كما أن حادثة مقتل رستم غزالة يُقال أنها بتحريض مباشر منهم أيضًا.

هل سيقاوم العلويون نظام طهران في سوريا؟

إن الحياة اليومية والعادات والتقاليد لعلويي سوريا تختلف كليًا عما يحدث في المجتمع الإيراني تحت سلطة الولي الفقيه، هذا بصرف النظر عن الأصل العربي لمعظمهم والذي هو موضع تفاخر فيما بينهم، ولا أظن أن المرأة العلوية أو المسيحية أو ابنة المذاهب الأخرى ستقبل بإجبارها على لباس الشادور وأسلوب حجاب الإيرانييات أو سيتقبل مجتمعها الرجم على شبهة الزنى أو الجلد لشارب الخمر، ما جاء في الدستور الإيراني.

إن من ادّعى العلمانية وسوّق نفسه عالميًا بها، بل قدّم طائفته على أنها موارنة سوريا الذين جلبوا المدنية والحضارة لها، بالرغم من تلك الأوهام لن يكون من السهل تقبل النظام الثيوقراطي المتخلف للولي الفقيه.

وأكبر الظن أنهم يفضلون التضحية بكرسي آل الأسد عن مثل ذلك المصير، وأن سلطة الملالي سترمي في نهاية المطاف ورقة الأسد لقاء اعتراف دولي بنفوذها وإمارتها المرتجاة.

قد يكون ذلك ما يجيب على السؤال الرئيس، من أجل كل ما سبق تعلن سلطة الملالي عن تواجدها السوري، وتزيده حضورًا يومًا بعد يوم، وتُمسك بالمفاوضات المحلية، ويُسمون قتلاهم ويُقيمون لهم الجنازات التحريضية الشعبية، وتراقب من يعارضها من الموالين للنظام الأسدي وتُصفيه بحجج مختلفة.

فهل تعي حاضنة الموالاة وآل الأسد بعد أن ألغوا من ضمائرهم ما يُخطط  ملالي إيران والحرس الثوري للوطن وأهل الوطن؟ بعد أن أمعنوا بالولوغ في دماء السوريين وأصبح الوطن بلا شعب ولا حياة.

وهل نأمل بمقاومة جدية من تلك الحاضنة للحرس الثوري الإيراني ومليشياته على غرار الصحوة لشيعة العراق وأهله؟ هل نأمل بصحوة لحاضنة النظام ترى فيها مصلحتها إن عميت عن رؤية مصالح الوطن وأهل الوطن، تلك المصالح التي لم تنفصل يومًا عنها ولن تنفصل إلا بأوهام الطغاة والطامعين باحتلال الوطن.

تابعنا على تويتر


Top