العزوف عن القراءة

حنين النقري – دوما

لعلّ أنظمة الحكم الاستبدادية استطاعت إدراك ما عجزنا عن إدراكه حتى اللحظة، ولعلّ هذا الإدراك جعل حكمهم لنا لسنينَ طويلة أمرًا ممكنًا رغم ظلمهم وبطشهم الواضحين للعيان…
ولعلّ قيام ثورة الشعب السوري في الخامس عشر من آذار 2011 بالشكل الذي قامت به، لم يفتح أعيننا إلى الأفق الذي سدّه الظّلام عنا وحجبه طيلة عقود خلت… فهلّا ألقينا نظرة إلى ذاك الأفق المحجوب الواسع؟ وما حجبوه عنّا إلا لعظم تأثيره فينا، إلا لخوفهم البالغ منه؟ ذاك الأفق الذي يدعى «قراءة»!!
هل كانت «إقرأ» الأولى دعوة ثوريّة على مجتمع أمّي؟ هل كانت دعوة لامتلاك أدوات ريادة تجعل أية جماعة – ولو تمثلت برجل واحد في غار منفرد- قادرة على السيادة والقيادة لمجتمع قويّ مثل قريش، لو أحسنت تلك الجماعة استخدام هذه الأداة؟
لعلّ الأنظمة المستبدة كانت أول من أدرك هذا، ولعلّنا لو تأملنا في حياة أي منا، لوجدنا أن روتينه اليومي يحوي على جميع أنواع المعوقات التي تحول بيننا وبين الكتاب!
البحث عن لقمة العيش من الصباح حتى المساء، وبالتالي عدم وجود وقت لأمر كان على الدوام «ثانويّا!!»، غلاء أسعار الكتب، طبيعة التعليم القائمة على التلقين و»التبصيم»، ثم تفريغ ما تمّ بصمه على ورقة امتحانية تحدد معدّلك ثم الفرع الذي ستلتحق به – البعيد عن شغفك غالبًا- في جامعة ستتابع نهج التلقين والتبصيم بكل أمانة!
نوعية الكتب المتاحة لك في المكتبات، حتى الكتب الرائجة والتي تحتل أعلى معدلات المبيعات هي كتب تجارية لا تسهم في زيادة وعي ولا تحفيز فكر. ساهم في ذلك – حتمًا- الجوائز العربية للثقافة والأدب!! إذ يكفيك أن تعرف أن الرواية الفلانية فازت بجائزة عربية ما لتدرك – من دون أن تقرأها- بأنها لا تستحق قيمة الورق الذي كتبت عليه! الرقابة الشديدة على كل ما يرفد الوعي ويزيد من قدرة المرء على التفكير بشكل مستقلٍّ عن العقل الجمعي، قلّة عدد المفكرين والعلماء في سوريا – مقارنة مع دول عربية أخرى كمصر مثلًا- رغم معدلات الذكاء المرتفعة، فإن وجدت اسمًا لامعًا بين مصاف العلماء والمربين اكتشفت أن صاحبه منفيّ عن البلد منذ عشرات السنين!
حتى مفهوم الثقافة والمثقف عندنا هو مفهوم موسوعي يهدف لتجميع أكبر عدد من المعلومات -يذكرني بنمط أسئلة المسابقات من سيربح المليون مثلًا-… رسخ ذلك لدينا أسلوب التعليم التلقيني حتمًا…
الأمر ليس وليد اليوم، كل الأنظمة الاستبدادية كانت ندًّا لأي فكر منير، لأنه يحمل أدوات الثورة على ظلمها. «سيّد قطب» وصراعه مع نظام عبد الناصر انتهاءًا باستشهاد المفكّر ومَنْعِ كتبه في العديد من الدول العربية لمنع نور عقله من التسرّب للشعوب وإيقاظها..
ثورتنا قامت لإسقاط النظام، لكن مرحلة البناء تحتاج لقيادة قادرة على موازنة أمور البلاد والعباد، وتحمل المسؤولية بشكل قيادي حكيم… ولن يكون ذلك لصاحب الشهادات الأعلى، بل لصاحب الفكر المنير، من يحمل ذخيرة ثقافية حقيقية، وعدّة قيادية تعينه على التبصّر والحُكم بحكمة…
هل يلفت كل هذا نظرنا نحو ذاك الأفق المسدود؟ هل سيدفعنا لفتح عهد جديد مع القراءة والكتب؟ هل
سنعمل على إرساء هذه المفردة في مجتمعاتنا لتصبح فعلًا نمارسه جميعًا يوميًا، ونشعر بحاجتنا له لأنه غدا «أولوية ضرورية» في حياتنا؟ وهل سنصل لقناعة، أن وعينا وثقافتنا هما العاصم الحقيقي من أي مرحلة استبدادية جديدة؟

تابعنا على تويتر


Top