القياس للتضليل في الحوار

جريدة عنب بلدي – العدد 39 – الاحد – 18-11-2012

عتيق – حُمص

تحدثنا خلال الأسابيع الماضية عن أكثر المغالطات المنطقية شيوعًا في أحاديثنا، واليوم سأتحدث عن واحدة من أكثر أدوات التضليل المنطقي، يبدو مُستخدِمها رجلًا ذكيًا صاحب علم وحجّة، لكن في الحقيقة فإن ما يستخدمه هو أكثر الأدوات هشاشة في علم المنطق في التدليل والبرهان.
الذي أتحدث عنه هو التشبيه التمثيلي، أو ما يعرف أحيانًا بالقياس التمثيلي، وهو تشبيه أمرٍ معروف الحكم، على آخر مجهول الحكم، لإشتراكهما في علّة… وهذه الأخيرة هي التي أثارت لغطًا وكلامًا كبيرين، فمتى تعتبر العلّة (سبب التشبيه والقياس) منطقيّة في قياس الآخر على الأول، ومتى لا تعتبر؟؟ لذلك ضوابط وشروط كثيرة.
لكن أين تكمن المغالطة والتضليل المنطقي؟
تكمن المغالطة في اعتماد الشخص على التشبيه التمثيلي كبرهان ودليل على صحة فكرته الضعيفة ومختلة المنطق، لأن هذه الطريقة كثيرًا ما يدخل فيها التدليس والخداع، ويصعب التحقق من كون العلة الغائية التي تجمع بين الأمرين جائزةً لنقل الحكم من أحدهما للآخر.
لكن قد يسأل البعض، بأن القرآن الكريم كثيرًا ما استخدم هذا النوع من القياس، كقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم، ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه}
فشُبّهت الغيبة بأكل لحم المسلم لأخيه وهو ميّت، ومثل ذلك كثير في القرآن وفي السنة أيضًا؟
والجواب أن القرآن لم يشرّع حرمة الغيبة بقياسها على آكل لحم المسلم لأخيه (أي لم يستخدم التشبيه التمثيلي كحجّة)، وإنما شرّع الخطاب القرآني حرمة الغيبة بقوله (ولا يغتب بعضكم بعضًا)، ثم ذكر التشبيه لإيصال الحالة النفسية المطلوبة.
وهكذا يشرّع القرآن بالأمر والنهي، ولا يستخدم التشبيه التمثيلي كحجّة على ما يريد، كما نفعل.
نفس الأمر في الأحاديث النبويّة الكثيرة، التي اُستخدم فيها هذا الأسلوب، كتشبيه حال المؤمنين بحال من هم على سفينة، وذلك لإشتراكهم بعلة: وحدة المصير.
فغرض الاستخدام: إيضاح المعنى لا البرهان عليه، فأخوّة المسلمين ووحدتهم شُرّعت في أماكن عدّة في القرآن كقوله تعالى {إنما المؤمنون أخوة}.
فالخطأ إذًا يكمن في استخدام التشبيه التمثيلي كبرهان ودليل حجّة، والصواب هو استخدام هذا الأسلوب لتوضيح معنى لا يختلف عليه.
مثال على ذلك، سُئِل أحد المعارضين عن مشاكل المعارضة الأخيرة، وعما تنامى إلى وسائل الإعلام من مشادات، فأجاب قائلًا: إن تشكّل الإئتلاف الأخير كان أشبه بولادة جديدة للمعارضة، وأيّ ولادة يسبقها مخاض وآلام، وهذا طبيعي… وهكذا هرب المعارض من توضيح طبيعة المشاكل الدائرة بين أطراف المعارضة بتشبيهه التمثيلي.
مثال آخر يستخدمه مؤيدو النظام، فهم يشبهون الوضع في سوريا، بالمنزل، والرئيس بالأب، والشعب بالأولاد، ويبدأون باستنباط الأحكام وردود الفعل التي تصح، وتلك التي لا تصح!! فالأب قد يقسو أحيانًا، لكنها قسوة الحرص والمحبة، والأولاد قد يطيشون ويتصرفون دون أن يدركوا مصحلتهم جيدًا، لكن ما إن يكبروا حتى يعرفوا صواب ماكان يقوم به الأب!!
وكما هو واضح فالرئيس رئيس والأب أب، وهذا نوع من التدليس والخداع المنطق.
وحتى لو كانت تشبيهاتنا صحيحة المنطق، فيجب أن لا نعتمد عليها كبرهان ودليل، بل أن تأتي بعد أن يقتنع الطرف الآخر بصواب فكرتنا، كقول البعض : الثورة كالدارجة متى توقفت سقطت، وهنا نشاهد صواب الفكرة، من ناحية الاستقراء التاريخي، لكن القياس يجب أن يأتي بسياق التوضيح لا الإثبات.
بالطبع لا تتوقف الأمثلة في الثورة، بل يدخل هذا الموضوع في سياق أحاديثنا اليوميّة بكثرة … ولكم التفكير والحكم.

تابعنا على تويتر


Top