مجسمات ورقية ورسوم كاريكاتورية تعيد الأمل بجيل سوري واع

أطفال حلب يخططون لمستقبل مدينتهم

MG_3612-copy.jpg

محمد قطيش (14 عامًا) حلب

عنب بلدي – حلب

“عانيت كثيرًا من الملل في ظل الروتين اليومي الذي عشته بعد نزوحي عن منزلي، فبدأت بصناعة المجسمات أملًا في أن تخرجني من جو الدمار المحيط بي وتبعث في نفسي التفاؤل”.

محمد قطيش، فتىً حلبي يبلغ من العمر 14 عامًا، نزح في بداية الثورة إلى بيت جده بعد تعرض حيه (سيف الدولة) للقصف وتحوله إلى ساحة معركة، ثم عاد إلى منزله مجددًا بعد 9 أشهر ليستقر فيه مع عائلته، حاملًا معه موهبة جديدة.

مجسمات ورقية تُصور مدينة حلب بعد الحرب

باستخدام أدوات بسيطة، ورق ومواد لاصقة وأقلام تلوين، يشكل محمد مجسمات لأبنية ومرافق وأحياء في مدينة حلب، وفق تصوره لمستقبل مدينته التي أنهكتها الحرب.

حاول محمد تصنيع أبنية تحاكي حيّه في البداية، “أحسست أني أستطيع توسيع عملي فقررت تصنيع مجسم كبير لمدينة حلب وبالفعل استطعت ذلك”.

نظّم محمد في منزله معرضًا لمجسماته مع نهاية الفصل الدراسي الماضي وأنهاه خلال العطلة الصيفية، وقد لاقى المعرض نجاحًا، بحسب ما أخبرنا، وارتاده أهالي الحي وإعلاميون في المدينة.

عنب بلدي التقت الفتى في معرضه، وقال إن الفكرة جاءت للفت النظر إلى أن أطفال حلب يستطيعون العيش والتخطيط لمستقبل مدينتهم رغم القصف والدمار والخراب.

المعرض الأول ضمّ مجسمات ورقية لمدينة حلب، تنوعت بين الأبنية السكنية والمنشآت، حسب تصور محمد لما ستكون عليه مدينته بعد انتهاء الحرب، لكنه في معرضه الثاني (نهاية آب المنصرم) اعتمد على الكرتون المقوى كبديلٍ للورق، ما خفف من حجم المباني ومساحتها لتكون أكثر اتساقًا، وأعطاها شكلًا أجمل وأدق.

أبنية جديدة لم تكن موجودة في المعرض الأول شُكّلت بطريقة مختلفة، لتشمل منازل على أطراف المدينة تعبر عن الضواحي، وإضافات أخرى حيوية منها مطار مدني.

كما أضاف محمد في معرضه عناصر حية من واقع الحرب في حلب، كفوارغ القذائف المدفعية التي دمرت المنازل وبقايا الذخائر النارية التي تركت آثارها على واجهات الأبنية وفي الشوارع. ولم يكتف الفتى بإضافة هذه العناصر دون توجيه رسالة واضحة إلى العالم من خلالها، فكتب عليها عبارات من قبيل “هذه دمرت منزلي، هذه قتلت معلمي..”

يتحدث محمد عن أسلوب عمله خلال المعرض الحالي، ويصف لنا تفاصيل المجسمات التي أضافها من وحي مدينته:

“بناء سوريا الحديثة سيكون على عاتقنا”

والد محمد كان الداعم الأول له في عمله، إذ أمّن له مستلزمات التصنيع من الأوراق والألوان والمواد اللاصقة. وأشار إلى أن الخوف من القصف جعل ولده يلزم المنزل بشكل دائم، وهو ما ساعده ربما على الاهتمام أكثر والتركيز على إيجاد أفكار مختلفة لدعم معرضه.

واعتبر الأب عمل ابنه “إنجازًا عظيمًا” لطفل في عمره، ولكنه تخوّف على مستقبله التعليمي، لافتًا إلى أنه “ليس كما يجب بحكم الظرف الراهن”.

المعرض الأول كان مجرد تجربة، بحسب الأب، الذي أكد لعنب بلدي أن ابنه استفاد من أخطائه وغير أسلوب عمله، ليبدو معرضه الثاني أكثر دقة وواقعية، بعد أن حصل على مواد ساعدته بشكل أكبر، “أتفاءل بعمله كثيرًا ولكنني أريده ان يتعلم جيدًا كي يستطيع رفد موهبته علميًا ويبني وطنه”.

وتمنى الأب أن يشارك ابنه في معارض على مستوى أكبر، على اعتبار “الطفل هو المستقبل.. سواء كان محمد أو غيره، يجب علينا أن نقف إلى جانب أطفالنا في ظل هذه الظروف وأن ندعمهم نفسيًا ومعنويًا”.

محمد وجه في نهاية حديثه رسالة إلى كل طفل سوري يملك الموهبة، داعيًا إياه للعمل على تطويرها، لأن مهمة بناء سوريا الحديثة ستكون على عاتق الجيل القادم، كما تكلم عن تطور مهارته وأمنياته المستقبلية:

“كنت أزور منزل جدي في بداية الثورة بشكل مستمر، إلا أني انقطعت عنهم منذ فترة طويلة، كونهم يعيشون في مناطق سيطرة النظام.. أتمنى أن أرى جدي وجدتي قريبًا ليشاهدوا مجسماتي لأنهم سيسعدون بذلك”.

قذائف الهاون صنعت رسامًا

موهبة أخرى من مدينة حلب ظهرت لدى الطفل محمد الأقرع ذو الـ 12 ربيعًا، الذي يرسم لوحات كاريكاتيرية ساخرة عن الحرب في سوريا، وعن الوضع المعيشي المتردي التي تعاني منه مدينته. بعضها ينسخها من رسومات شهيرة، وأخرى يبدعها من خياله البسيط.

في بداية الثورة لم يتوقع محمد أن يستهدف الأسد منزله بقذائف الهاون، على الرغم من أنه قتل المتظاهرين العزل، بحسب وصفه، لكن النظام فعلها، وهجره مع عائلته إلى مكان آخر.

منزل الأقرع دُمر بعد قرابة شهر من نزوحه، “فقدت ذكريات جميلة وعزيزة على قلبي، وتبعثرت رسومي وأضعت معظمها، ولكنني سأتابع رسمي وأطور موهبتي”.

في لقائنا مع الطفل قال إن والده وجههه لرسم الكاريكاتير على اعتباره “ساخرًا ومضحكًا”، ولم يغفل أنه هادف، كونه يظهر جرائم النظام السوري وتعامله مع الدول التي تدعمه كروسيا وإيران والصين، على حد وصفه.

وتحدّث محمد عن بداياته مع الرسم في صغره ولجوئه لهذا النوع من الفنون، كما فسّر عددًا من  لوحاته مبينًا القصد من رسمها، وتطرق إلى طموحه المستقبلي:

 “لست قادرًا على عرض لوحاتي”

لم يتسنّ لمحمد تنظيم معرض للوحاته ليبرز للعالم موهبته ويوصل أفكاره، “لست قادرًا على عرض لوحاتي، بسبب الوضع المادي من جهة، ولأنني لا أستطيع تأمين مكان آمن للزوار خلال المعرض جراء القصف المستمر على حيّنا”.
والد الطفل قال إن الثورة السورية أثرت بشكل كبير على وعي ابنه، بعد أن شاهد ما فعل بشار الأسد بمنزله وكيف جعل والده عاطلًا عن العمل.

وأضاف لعنب بلدي أن أحد أهداف رسومات ولده هو التخفيف عن الأطفال، مشيرًا إلى أن كثيرًا من أصدقائه أعجب بعمله وأصبح يفضل الجلوس ومشاهدته أثناء رسمه، كما أن بعضهم حاولوا تطوير مواهبهم في الخط والأشغال اليدوية وهوايات أخرى اقتداءً به.

خلفت الحرب في سوريا آثارًا سلبية على حياة الأطفال، الذين يعيشون الرعب والخوف بشكل يومي، فقتل ما يزيد عن 2200 طفل في سوريا، وفقًا لإحصائية الشبكة السورية لحقوق الإنسان التي صدرت، الجمعة 4 أيلول الجاري، وشملت الضحايا من الأطفال منذ مطلع العام الحالي وحتى نهاية آب المنصرم.

وعلى الرغم من الوضع المأساوي الذي يعاني منه أطفال سوريا، إلا أن جانبًا إيجابيًا تجلى بأمثال الطفلين قطيش والأقرع، بتجاوزهم الظروف التي يعيشونها وتوجههم نحو صقل مهاراتهم وتطويرها رغم الإمكانيات البسيطة، داعين أقرانهم إلى تجاهل الحرب رغم صعوبة الواقع، والتوجه إلى بناء قدراتهم ليكونوا بناة المستقبل الأفضل لبلادهم.

تابعنا على تويتر


Top