نحو الأمان.. كيف تخرج من مناطق االدولة الإسلامية

.jpg

سيرين عبد النوردير الزور  

حاول أحمد أن يغمض عينيه ليحصل على قليل من الهدوء، بعد رحلة شاقة قطعها مع أهله من مدينة دير الزور إلى منطقة قريبة من الحدود التركية، في جوار سلك شائك.

الطفل الذي لم يبلغ السادسة من عمره تلعثم وهو يحاول أن يحدثنا عن رحلته، لكنه لخصها بإشارة من يده ونظرة في الأفق وهو يقول «جينا من مكان بعيد»، أما عن وجهته فأجاب ببراءة أنه ذاهب نحو ألمانيا.

يجمع الركاب على صعوبة الرحلة التي تعني للكثير منهم «الانتقال من قاع مظلم إلى نور الشمس»، وحيث يحلمون بحياة جديدة أكثر أمانًا واستقرارًا.

طريق متعب

مع بداية بزوغ الشمس يبدأ العم محمد، وهو سائق حافلة من دير الزور، بجمع ركابه الذين حجز أغلبهم بشكل مسبق، كما شرح لعنب بلدي، متحدثًا عن خطورة تنقله بين الشوارع وانتظاره للركاب في مناطق معرضة للقصف في أي لحظة، «رغم القصف والأوضاع الأمنية، أضطر في بعض الأحيان إلى التنقل بين عدة شوارع من المدينة لجمع أكبر عدد من الركاب (تطبيق السرفيس) ثم أعود إلى شارع التكايا حيث أنتظر من بقي».

يغلق العم محمد أبواب مركبته عند صعود آخر راكب، وينطلق خارجًا من مدينة دير الزور عبر جسر السياسية، حيث يوجد أهم حواجز تنظيم «الدولة الإسلامية»، الذي يتولى مهمة تفتيش العابرين من وإلى المدينة، والتدقيق في هوياتهم والتأكد من حصولهم على موافقة أمنية من التنظيم.

يحبس الجميع أنفاسهم عند كل حاجز، إذ يقوم أحد عناصر التنظيم بالتدقيق الأمني والشرعي على المسافرين، متأكدًا من عدم وجود شخص مطلوب أو أمر مخالف للشرع (كاللباس، اللحية، السبحة)، كما قد يجري اختبار سريع للركاب يتضمن السؤال عن أركان الصلاة وصيغة التشهد ومعلومات عامة عن أركان الدين الإسلامي وعدد الصلوات وعدد الركعات في كل صلاة.

وغالبًا ما يكون التركيز على النساء والتحقق من سفرهن مع «محرم»، كما ذكرت أم علي لعنب بلدي، وهي إحدى المسافرات من دير الزور، «إن النساء والأطفال أكثر من يتحمل أعباء السفر، نظرًا للمعاملة السيئة التي نلقاها على الحواجز وحاجتنا إلى العديد من الأوراق للسماح بالخروج، فضلًا عن التعب الجسدي الذي نعاني منه».

تكلفة مرتفعة

تختلف تكاليف السفر بحسب الأوضاع الأمنية وسلامة الطرق، وبحسب نوع السيارة المستخدمة وعدد الراكبين فيها، لكنها تحتاج، وبحسب أم علي، لأكثر من 9 آلاف ليرة سورية في الحدود الدنيا، مقسمة بحسب مراحل الطريق، فيكلف الخروج من دير الزور 200 ليرة تدفع للسيارة التي تنقل أهالي المدينة إلى كراج حطلة، فيما يكلف الوصول إلى الرقة ألف ليرة، ومنها إلى ريف حلب الشمالي بـ 3500 ليرة.

المرحلة التي تليها تكون بالصعود إلى مركبة أخرى بتكلفة 4 آلاف ليرة، وصولًا إلى الريف الإدلبي، أو 6 آلاف إذا كانت الوجهة نحو البلدات الحدودية في ريف اللاذقية، حيث أصبحت المعابر هناك أكثر سهولة بعد إغلاق المعابر الأخرى في ريف الرقة والريف الحلبي، وتتراوح تكلفة الدخول إلى تركيا، بطريقة غير شرعية، مبلغًا يتراوح بين 15 و 30 ألف ليرة سورية.

علامات الإرهاق تظهر على جميع الركاب الذين أمضوا يومًا كاملًا على طريق السفر، وأوضح السائق أبو محمد «غالبًا ما يأخذ السفر إلى الحدود السورية التركية عدة مراحل فرضها تقسيم المناطق بين القوى المسيطرة على الأرض، كما أنه يحتاج إلى وقت طويل يتراوح بين 12-24 ساعة لعدة أسباب أهمها الوقوف المتكرر على الحواجز وطول المسافة وسلك الطرق الفرعية، الحالة الأمنية للطرقات».

تفتيش دقيق

يشتكي معظم العابرين من مناطق سيطرة «الدولة» من التشديد على حواجز فصائل المعارضة التي تواجه التنظيم في ريف حلب الشمالي، ويخضع جميع الركاب والآليات القادمة من المناطق الشرقية (ديرالزورالرقة) لتفتيش دقيق.

وبينما يتذمر الأهالي من التركيز عليهم وتفتيش أغراضهم بشكل متكرر، اعتبر معاوية، وهو شاب من دير الزور يرابط على أحد الحواجز في ريف حلب، أن التدقيق والتفتيش أمر لا بد منه بسبب سيطرة تنظيم «الدولة» على المناطق المحاذية، والخوف من اختراق خلايا التنظيم لمناطق المعارضة.

عذرٌ يجده الأهالي مقبولًا، لكنهم يبدون انزعاجهم من حدوث العديد من حالات الخطف على الطريق، كما أن العديد من الركاب اعتقلوا منذ عدة أشهر دون أن يُترك خلفهم أي أثر رغم عدم صلتهم بالتنظيم، كما أكد أبو عدنان، أحد المسافرين من دير الزور، وأضاف «نحن مع عقاب من يثبت تورطه مع التنظيم إلا أن الاعتقالات العشوائية مشكلة نعاني منها على جميع الحواجز، سواء التابعة للدولة أو لبقية الفصائل».

يتنفس الركاب الصعداء بعد مرورهم بسلام من كل حاجز، لكنهم يعرفون جيدًا أن العديد من الحدود والحواجز لاتزال في طريقهم وصولا إلى نهاية تريحهم، وتنهي رحلة الواقع الأليم الذي يعيشه السوريون.

تابعنا على تويتر


Top