جبـل العرب ينتفض عقب اغتيال شيخ «الكرامة»

هل تخرج السويداء عن قبضة الأسد؟

-السويداء.jpg

عنب بلدي خاص

دخلت محافظة السويداء منعطفًا جديدًا مطلع أيلول الحالي، فخرج حشد من المواطنين في مظاهرات نادت بمكافحة الفساد وتحسين الوضع المعيشي، رد عليها نظام الأسد بقطع وسائل الاتصالات تخوفًا من استمرارها.

لتأتي حادثة اغتيال الشيخ وحيد بلعوس مع عدد آخر من «مشايخ الكرامة»، وما تبعها من انفجارين استهدفا تجمعات للمواطنين في مركز المدينة، الجمعة 4 أيلول، وتدخل السويداء في عصيان مسلح توج بإسقاط تمثال حافظ الأسد.

«خنقتونا» تربك النظام

خرج المئات من أبناء مدينة السويداء، الثلاثاء 1 أيلول، في مظاهرات نادت بضرورة مكافحة الفساد وتحسين الواقع المعيشي في المحافظة، ضمن حملة أطلقها نشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي تحت عنوان «خنقتونا».

واقتحم نحو 1000 متظاهر مبنى المحافظة وسط المدينة، بعد دعوات أطلقها المنظمون للتواجد أمام المبنى في الساعة الثانية بعد ظهر الثلاثاء، ولبى الدعوة عدد كبير من أبناء المدينة في سابقة غير اعتيادية على المحافظة، التي امتازت بهدوء وأمان نسبيين خلال أعوام الثورة.

وقال نشطاء الحملة في صفحة خاصة بها عبر موقع فيسبوك، إن مظاهراتهم هي «احتجاجات سلمية غير مسيسة»، وتهدف إلى إيصال صوتهم لمسؤولي النظام بضرورة «التغيير الشامل في السويداء»، مطالبين في بيان تأسيسي بعزل كل من محافظ السويداء، وأمين فرع حزب البعث، ومدراء شركات المحروقات والكهرباء والمياه والتموين، ورؤساء الأفرع الأمنية، وقائد الشرطة في المحافظة.

واتهم المنظمون، مسؤولي النظام في السويداء، بالسعي لتهجير شبانها وأهلها من خلال تخفيض مخصصات المحروقات، وزيادة ساعات قطع الكهرباء، وغلاء الأسعار وتحكم التجار، وغياب القانون وانتشار الجرائم، وسرقة مخصصات الأفران وسوء نوعية الخبز، وفوضى السلاح وسوء استخدامه، والسماح بتهريب مخصصات المحافظة، بحسب البيان.

قوات مكافحة الشغب والعناصر الأمنية حاولت تفريق المظاهرة بالقوة، رغم تأكيد منظميها على عدم حمل السلاح أو التلفظ بأي شعارات «غير وطنية» ورفع علم النظام السوري فيها.

ورد نظام الأسد على المظاهرات بقطع الإنترنت بشكل كامل عن المحافظة، ليعزلها عن الوسط المحيط، في خطوة مكررة استخدمها سابقًا في قمع المظاهرات السلمية التي خرجت ضده مطلع الثورة، إضافة إلى قطع عدد من الطرقات في مركز المدينة.

اغتيال أبو فهد بلعوس ومفخخات تضرب المدينة

واستهدف انفجار موكبًا لشخصيات دينية في مدينة السويداء، الجمعة 4 أيلول، وسط أنباء رجحت مقتل الشيخ وحيد البلعوس جراءه.

وقال نشطاء إن الانفجار وقع مساء الجمعة ونجم عن سيارة مفخخة ضربت موكبًا يقلّ “شيوخ الكرامة” في منطقة ظهر الجبل على أطراف المدينة، وأكدت صفحات محلية عبر موقع فيسبوك، أن الاستهداف أدى إلى مقتل الشيخ وحيد بلعوس (أبو فهد) وشقيقه، والشيخ فادي نعيم وزوجته، إضافة إلى ضحايا آخرين.

شبكة أخبار السويداء الموالية، وفي صفحتها عبر موقع فيسبوك، أكدت وصول 4 جثث «مجهولة» إلى براد المشفى الوطني في المدينة مساء الجمعة، وسط تجمع عشرات المواطنين والمقربين من الشيخ أبو فهد.

ولم يصدر عن الإعلام الرسمي أي معلومة بشأن مصير الشيخ البلعوس، رغم تأكيد وكالة الأنباء الرسمية (سانا) حدوث التفجير في ظهر الجبل ومقتل 4 أشخاص وإصابة 8 آخرين، نقلًا عن قيادة الشرطة.

وبعيد استهداف موكب البلعوس ونقل المصابين إلى المشفى الوطني، هز انفجار ضخم منطقة مجاورة لها وسط المدينة، تبين فيما بعد أنه ناجم عن سيارة مفخخة، دون معلومات عن إصابات، لتنفجر سيارة أخرى وسط ساحة المشفى، مخلفة قتلى وجرحى.

ونقلت وكالة الأنباء الرسمية (سانا) عن قيادة الشرطة في المدينة، أن 27 مدنيًا سقطوا في الانفجار، ليرتفع العدد صباح السبت إلى 33 قتيلًا ونحو 50 جريحًا، بحسب صفحة تجمع أحرار السويداء، مرجحة ارتفاع العدد نتيجة خطورة الإصابات.

ويعتبر الشيخ وحيد بلعوس، أحد أبرز رجال الدين الدروز المناهضين لنظام بشار الأسد، وعمل جاهدًا على تحييد شباب السويداء عن الصراع الحاصل بين فصائل المعارضة وقوات الجيش والميليشيات الداعمة، بعد محاولات عديدة من الأجهزة الأمنية لتجنيد أكبر عدد منهم.

ورغم مواقفه المتباينة من الثورة وفصائل الجنوب، إلا أنه عبر عن «وحدة المصير» بين درعا والسويداء الجارتين جنوب سوريا، واستطاع إتمام عملية مبادلة للأسرى مع الجيش الحر في حزيران الماضي، ويحظى بشعبية واسعة في مدن وقرى السويداء بالعموم، ووقف مؤخرًا إلى جانب متظاهري «خنقتونا» وطالب بعدم المساس بالمتظاهرين.

تحطيم تمثال حافظ الأسد

غداة اغتيال البلعوس واستهداف المدنيين، عم الغضب محافظة السويداء، وهاجم شبان المدينة الفروع الأمنية والعسكرية فيها، وحطموا تمثال حافظ الأسد في ساحة السير وسط المدينة، وأزالوا صور بشار الأسد منها.

وأشارت صفحة تجمع أحرار السويداء، إلى أن «مشايخ الكرامة»، وهي المجموعة التي أسسها الشيخ بلعوس، اقتحمت الجمعة فرع الأمن العسكري في المدينة ودارت مواجهات سقط خلالها قتلى من الجانبين، لتنسحب العناصر المتمركزة داخل الفرع بعد ذلك، كما اقتحم «شيوخ الكرامة» فروع الأمن الجنائي والسياسي والشرطة العسكرية في المدينة.

وقالت صحيفة الأخبار اللبنانية والمقربة من حزب الله، في تقرير الجمعة، إن «عددًا من المسلحين اقتحموا مقر الشرطة العسكرية في السويداء وحطموا مقتنياته وسرقوا ذخائر ومستندات من داخله، وحطّم آخرون تمثالًا للرئيس الراحل حافظ الأسد في ساحة السير وسط المدينة وسيّارات تابعة لمديرية مالية السويداء، وحاولوا الدخول إلى مبنى مجلس المدينة، إضافة إلى إطلاق النيران على فرع الأمن الجنائي وفرع الأمن العسكري».

من جهتها، أشارت صفحة «دمشق الآن» الموالية للنظام، أن طريق دمشقالسويداء مازال مقطوعًا منذ الجمعة، وأن المدينة عادت إلى هدوئها بعد أن «قام مخربون بإحراق بعض السيارات والاعتداء على الصرافات الآلية وعدد من محال الصاغة والأملاك الخاصة والعامة».

نحو إدارة ذاتية

ونشرت صفحة رجال الكرامة عبر فيس بوك، الناطقة باسم الشيخ وحيد البلعوس بيانًا، السبت 5 أيلول، وجهته إلى «أهل الكرامة والشيم».

وتضمن البيان الذي يحمل الرقم (1)، «اتهامًا سياسيًا لزمرة وفيق ناصر وعصابة الأسد في السويداء»، محملًا اللجنة الأمنية، مسؤولية الاغتيالات في المنطقة، «وزج الجبل في أتون المواجهة الدموية، والتي طالما تجنبها رجال الكرامة وشيخها، حقنًا للدماء وحفاظًا على هدوء وأمان المحافظة كملجأ للسوريين الهاربين من ويلات حرب الأخوة التي ذكاها تسلط وعسف السلطة الأسدية».

البيان اعتبر الاغتيال «محاولة بائسة للرد على مواقف العزة والكرامة في جبل العرب»، مؤكدًا أن النظام «فتح النار واعتدى، فله منّا الرد الحسم»، ومعلنًا «جبل العرب منطقة محررة من عصابات الأمن وزمرهم».

وأبطل البيان الذي حمل توقيع الشيخ رأفت البلعوس (أبو يوسف) دور «اللجان الأمنية الأسدية»، مؤكدًا تسلمهم الشؤون الأمنية في كل مدينة وبلدة من المحافظة، واستمرار عمل المؤسسات العامة والخدمية بإشراف الإدارة الذاتية المنبثقة عن الهيئة المؤقتة لحماية الجبل، وتكليف «غرفة عمليات رجال الكرامة» بالتنسيق مع «المسلحين الشرفاء في الجبل» لحفظ الأمن واستمرار الحياة الطبيعية في المحافظة، وداعيًا أبناء الجبل من عسكريين ومدنيين للمشاركة في حماية الجبل.

لجنة «التفاوض السياسي» تكلّفت بموجب البيان بالتواصل مع الحكومات وهيئات ومؤسسات المجتمع الدولي «لإيصال الحقائق واعتماد وضع الجبل تحت بند منطقة آمنة أو منطقة حظر جوي، وفتح معبر حدودي مع الأردن بالتنسيق مع حكومته»، معتبرًا السويداء جزءًا لا يتجزء من تراب سوريا الحرة.

ولم يتسنَ لعنب بلدي التأكد من صحة البيان، وسط تأكيد ونفي من صفحات معارضة وموالية في المحافظة.

مواقف وآراء

عشية أحداث السويداء، تناقل السوريون حادثة اغتيال البلعوس بشكل كبير عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وحض نشطاء سوريون أهالي السويداء على الانتفاضة في وجه نظام الأسد والوقوف في صف الثورة.

وقدم الشيخ سارية الرفاعي، أحد علماء دمشق، تعازيه إلى أهالي السويداء، قائلًا في منشور عبر صفحته الشخصية في فيسبوك «نُقدِّمُ تعزيتنا بالشيخ البطل وحيد وباقي رفاقه الأحرار، ونقول لكم: صوت الكرامة لا يموت، وسيعلو فوق صوتِ الرصاص حتى ينتصر الحق.. ولن يستطيعَ أحدٌ أن يكتم صوتَ الحق، ما دمنا يدًا واحدة، وهدفنا هو رفع الظلم عن الشعب السوري.»

الإعلامي السوري فيصل القاسم، أكد وقوفه إلى جانب أبناء مدينته، السويداء، معتبرًا في منشور عبر صفحته أنه «لا يمكن لأحد في العالم أن يغتال الكرامة.. إنها كأشجار الجبال المثمرة، كلما طالها مقص التشحيل والتقليم ازدادت أغصانها نموًا واخضرارًا وأزهارًا وثمارًا.. طوبى لأهل الكرامة.»

رئيس الائتلاف الوطني المعارض، خالد خوجة، أشار في تغريدة عبر تويتر، إلى أن «دماء الشيخ وحيد البلعوس عادت لعنة على النظام القاتل وجعلت السويداء تعانق الحرية، وينضم إخواننا الدروز إلى صانعي المستقبل».

خرجت عدة مظاهرات ضد نظام الأسد في مدينة السويداء، مطلع الثورة 2011، لكن قمع السلطات لها واستخدام القبضة الأمنية آنذاك حال دون التحاقها بركب «الثورة»، كما يصف نشطاؤها، ويعمل عدد منهم في الصحافة «البديلة» التي تنادي بحقوق السوريين في الحرية والعدالة، بينما يقاتل آخرون ضمن ميليشيات تتبع قوات الأسد، وسط حركة هجرة غير مسبوقة تشهدها خلال الأعوام القليلة الماضية.

الثورة متجذرة في جبل العرب

لم تكن المظاهرات المطالبة بالحرية دخيلة على السويداء، يوم خرج أبناؤها في مظاهرات جابت شوارع المدينة وأكدت وقوفها إلى جانب جارتها في السهل، درعا.

مبكرًا، انخرطت حاضرة بني معروف في الاحتجاجات ضد نظام الأسد،  بل سبقت عشرات المدن والبلدات السورية، فكان اعتصام نقابة المحامين في 28 آذار 2011، ليخرج طيف من مثقفيها شبانًا وشابات في مظاهرات جابت المدينة في نيسان من العام نفسه.

لم تقف المظاهرات عند هذا الحد، فكانت مظاهرة القريا، مسقط رأس سلطان باشا الأطرش، في حزيران 2011، وامتدت إلى صلخد وشهبا وغيرها من مدن وقرى المحافظة.

لجأ النظام إلى تشديد قبضته الأمنية واعتقل عشرات النشطاء، وهدد رموز «الثورة» في المحافظة، ومن بينهم منتهى سلطان باشا الأطرش، والتي شاركت في اعتصامات المدينة رغم سنها الذي تجاوز 70 عامًا.

دخلت السويداء في هدوء نسبي بعد عام الثورة الأول، ومع تحول الحراك السلمي إلى العسكرة، انضم عدد من أبنائها إلى صفوف الجيش الحر، وأبرزهم الملازم خلدون زين الدين والذي قضى في معارك اللجاة في حزيران 2012.

اليوم، يتخوف أهالي السويداء، ذات الغالبية الدرزية، من تغلغل تنظيم «الدولة الإسلامية» من الشرق، الأمر الذي أحسن استغلاله نظام الأسد فنجح بتطويع عدد منهم في ميليشيا الدفاع الوطني، للدفاع عن المدينة ضد أي هجوم محتمل.

تابعنا على تويتر


Top