الهراء الديني

عمار حسن بك

رغم ما سيسببه هذا العنوان من استياء عند البعض، إلا أنني أجد هذا العنوان أقل ما نصف به حالنا، الذي كنا ومازلنا عليه، ونصف به الجدل الديني الذي نستمر به ونجتره بشكل يومي، لا أعتقد أنه يمكننا توصيف هذا الجدل المستمر والممتد عبر التاريخ الإسلامي إلا بهذا الوصف، لما فيه من سذاجة وغياب للمنطق.

ميزة هذا «الهراء»، الذي نمارسه، أنه مستند على جدل قديم بقِدَم الدعوة الإسلامية، ومتشعب بتشعب انتشارها وذو طيف واسع، وآخر ميزة أنه لا ينتهي. وميزتنا أننا لا نمل منه ولا نيأس ولا نستفيد من التجربة التاريخية لهذا «الهراء»، بل نصر على إعادته بنفس الهيئة والمضمون.

ولكن لماذا جدلنا الديني هو هراء؟

ببساطة لأنه هراء –ليس لأنه اختلاف فالاختلاف مطلوب وهو حالة بشرية طبيعية وبناءة– لأنه اختلاف تعدى حدود الاختلاف البشري ليصبح سلطانًا مقدسًا لم تحله سنوات طوال من النقاش والحوار والاستدلال والاقتتال والتكفير والذبح، والأنكى من ذلك أننا نحافظ عليه ونعيد تصنيعه من جديد وبأشكال مختلفة ومتنوعة مرة تلو الأخرى.

الهراء الديني غريب عجيب، فرغم الاختلاف الهائل في النظريات الدينية –والذي يكاد يستوعب كل الاختلاف البشري الفكري الذي مر على الكون– إلا أن مؤسسي هذه النظريات يصرون أنها تصدر من مصدر واحد (القرآن والسنة)، وترى ضمن ذلك تأويلات للنص الواحد وللحدث الواحد مختلفة اختلافًا جذريًا من ناحية البنية والدلالة، دون أن يعترف أي من هؤلاء المؤسسين –أو متتبعي تلك المذاهب- بأي انحراف عن المنهج سببه تأويل متأثر بالحالة السياسة والاجتماعية والاقتصادية والمعرفية، أو سببه الإنسان نفسه باختلاف مداركه وتطلعاته ورغباته ونظرته للطبيعة وما وراء الطبيعة. الكل ادعى أنه استمد فهم القرآن والسنة بالشكل الصحيح وكما نزل من عند الباري عز وجل ووضع نظرياته الدينية كما يريد الله تمامًا. طبعًا كل فريق مقتنع بهذا الكلام ومقتنع بأنه المعبّر الوحيد عن الإسلام ويتهم الفريق الآخر – على أقل تقدير– بالضلال والزيغ، دون أن يعترفوا أن الإسلام هو كل ذلك طبعًا، ليس لأن الإسلام هو كل ذلك –باعتباره في النهاية نص واحد لا يمكن أن يتجزأ أو يتشعب– بل لأن الإنسان بظروفه وتركيبه المتغير المتلون هو من صنع الاختلاف وأججه لكسب معاركه الذاتية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية.

وفي الجزئية الأخيرة هراء يكاد يكون من أعذب الهراء الديني، وهو الاتهام المتبادل بالضلال والزيغ –كما قلنا على أقل تقدير–، والمستند على أسس دينية نصية. ومنبع هذا الهراء هو استخدام نفس الوسائل بالبناء والهدم وبإضفاء الحق لفئة ولصق الباطل بفئة أخرى، هذه الوسائل تتجلى باستخدام التأويل البشري للدين بشكل عام وللنص بشكل خاص –باعتباره الركيزة الأساسية في الدين–، وبغض النظر عن الطيف الواسع للتأويل الديني الذي يصل لحد الخروج عن الدين، سواء على طرفي النقيض المتهاون والمتشدد، إلا أنه يبقى الوسيلة الأساسية في بناء المذاهب الدينية، ويعتمد التأويل عند الجميع على أساسين هامين هما: الاستقطاع والحياكة.

فالاستقطاع والحياكة أداتان يستخدمهما الباحث الديني –وكلنا ذلك الرجل– لتأويل الدين بالشكل الذي يتماشى مع تصوراته وأيقونته الفكرية للحياة وممارستها، فينقَضّ على الدين بمجرياته التاريخية ونصوصه ليلعب بها كصانع خياطة ممتاز يقتص المجريات والنصوص التي تساند رأيه ويتشدق بها ويستشهد بها ويبني عليها، أما ما لا يعجبه أو يتنافى مع نظرياته فيبدأ به بالقص والتحوير والحياكة فيسقط بعض أجزائه إلى سلة المهملات بينما يجمّل الآخر أو يحوره، وفي النهاية يبني النظرية الدينية المقدسة الإلهية المصدر –والتي هي نظرته الدينية فقط– والتي تصبح هي الدين وكل قائل بغيرها فهو مارق كافر.

وإذا عدنا إلى التأويل في المذاهب، فالجميل في ذلك هو اتهام كل مذهب لآخر بالتأول والشطط والتحريف، والمضحك أن الجميع يستخدم نفس الآليات في استخراج مذهبه ولكن بشكل مختلف، وربما تساءل متسائل: إذا كانوا أهل الأخذ بالعقل وأتباعهم وأشباههم هم أصحاب التأويل فكيف نتهم أصحاب النقل بذلك؟ والجواب بسيط، فهم تأولوا على الدين بجعله نقلًا وإغلاق باب العقل فيه، فما أدراهم أن يكون الدين قد حصر في النقل وغيب العقل عن الحراك الديني، في النهاية التطرف والتهاون وحتى الوسطية وما بينها هي أوجه لعملة واحدة تعتمد على استملاك الدين وفرض النظرية المقدسة على الجميع وبالتالي الإخضاع بسلطة الدين الممتلك.

والسؤال ماذا بعد هذا الجدل الاستقصائي والاستحواذ الديني؟ للأسف لا شيء سوى مزيدًا من الجدل والاستحواذ وتضاعفًا لحالات الفرقة والاختلاف والتكفير، فالمذهب الواحد سيولد مذاهب شتى، وحمى التكفير بين المذاهب تنتقل إلى ضمن المذهب الواحد، ويتفتت المذهب إلى مذاهب متنافرة مكفرة لبعضها، ويعود كل مذهب لاستخراج دينه الذي يراه مناسبًا له، أو كما أوحى له تصوره الذهني وفضاؤه المعرفي ذلك الدين الجديد، وتتعدد الأديان ويتعدد الجدل والهراء الديني.

وبدلًا من أن نعترف أن الاختلاف الديني هو أمر طبيعي مرده اختلاف فهم وإدراك البشر واختلاف الحقول المعرفية التي مر الدين بها، وأن الإسلام هو كل ذلك الطيف وليس أحدًا منها، وأن هذا الاختلاف مرده عوامل بشرية كونية وليس عوامل إلهية-نصية، وعلينا أن نقبل هذا الاختلاف ونلتفت بعدها لبناء حياتنا وتأسيس نهضتنا على أسس ثابتة علمية مقاسة يكون فيها جانب الاتفاق موضوعيا –وليس ذاتيًا كما هو التأويل الديني– يتفق عليه معظم أبناء المجتمع، بدل ذلك كله، للأسف مازلنا مغرقين في هرائنا ومصرين أن نقيس كل حياتنا على المقاييس الذاتية المتغيرة المختلف عليها، ونصرّ على قياس ما هو موضوعي على ما هو ذاتي، ومن ثم ننقل الاختلاف إلى ساحة لإثبات الوجود ونفي الآخر، فيتحول الهراء إلى استعداء ومن ثم إلى إسالة دماء ومن ثم إلى هراء جديد، وتستمر الحلقة وتتوالد أفقيًا وشاقوليًا.

تابعنا على تويتر


Top