عندما كانوا في ضيافتنا.. تاريخ الهجرات إلى سوريا

سعد معاذ

تُعرّف أسباب اللجوء على أنها انعدام الأمن والأمان وانهيار النظم الحاكمة والخوف من القتل والخطف والتهجير، عدا عن انقطاع سبل الرزق والحياة إضافة للحرب النفسية، وقد شهدت سوريا سابقًا عدة حالات للهجرة إليها، على عكس ما يحدث اليوم من إفراغٍ لسكانها وانتشارهم في أنحاء البلاد.

يونانيو الأمس

عام 1943 وصل قرابة 12 ألف لاجئ يوناني إلى مدينة حلب، هربًا من ويلات الحرب في بلادهم أثناء الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945) وأملًا في حياة آمنة.

اليوم وبعد ما يقرب من 70 عامًا يعيش ملايين السوريين أسوأ أزماتهم، ويحلمون بالوصول إلى أي دولة أوروبية، خصوصًا اليونان، التي ينتقلون إليها عبر تركيا لتكون بوابة عبورهم إلى دول مثل ألمانيا والنمسا والدول الاسكندنافية.

المشهد السوري القاسي يذكر بما عاناه اليونانيون من أزمات مطلع ومنتصف القرن الماضي، حين شهدت بلادهم غزوًا إيطاليا وألمانيًا وكانت النتيجة هجرة جماعية لليونانيين.

وتحوي مكتبة الكونغرس الأمريكي صورًا لـ «اللاجئين اليونانيين في حلب»، يظهر في إحداها مجموعة من الأشخاص يرتدون ملابس رثة والأولاد الصغار على الأرض، والجميع يقف صفًا في انتظار المعونات، وفي المقدمة، امرأة تضع علبة وتقف بجوار عربة يتم فيها طهي الطعام.

هجرة الأرمن

قبلها، عام 1915 تحديدًا، هاجر مئات آلاف الأرمن خلال أحداث السيطرة على شرق الأناضول بين القوات التركية والروسية فى الحرب العالمية الأولى، تاركين وراءهم كل شيء كل شيء حتى الذكريات ونزحوا جنوبًا نحو سوريا لبنان الأردن والعراق.

حضنهم الحلبيون ومدوا يد المساعدة لهم وتزوجوا من نسائهم على الوجه الشرعي، واعتنوا بأولاد الأرمن واعتبروهم كأولادهم.

يعترف الأرمن بأدبياتهم بالجميل وبكرم الضيافة الذي قدمه الحلبيون لهم، وكان نصيب حلب من النازحين عدد قدره بعض المؤرخين بحوالي 60 ألف نسمة، بينما يقدر عدد سكان حلب الإجمالي عام 1921 بحوالي مئتي ألف نسمة، ما يعني أن عدد سكان المدينة زاد بمعدل الربع بعد وصول اللاجئين.

بنى الأرمن عام 1922 أول مخيماتهم في منطقة الرام، التي تسمى حاليًا إشارات السليمانية الضوئية، وكانت أبنيتهم السكنية من الخشب وزاد عددها عن الألف براكية وصلت حتى منطقة الميدان وحي الفيلات الحالي ومناطق بستان الباشا.

سكن اللاجئون مساحة تعادل 7 هكتارات من المنطقة التي تعود لوقف الأميري، وتعهدت بلدية حلب بدفع بدل إيجار الأرض عن اللاجئين الأرمن لصالح الوقف.

واستطاعوا بناء مدارس بسيطة خاصة بهم وكنيسة صغيرة في منطقة البراكات أُطلق عليها كنيسة الصليب المقدس، كما تمكنوا من العمل وإنشاء ورشات حرفية بدائية وعرف عنهم الدقة والأمانة في العمل.

يروي الحلبيون أن الأرمن كانوا يرفضون الحصول على الصدقة من مال وملابس وطعام ويصرون على الحصول على ذلك لقاء الأعمال التي يؤدونها، حتى اندمجوا في المجتمع الحلبي وباتوا يشكلون جزءًا رئيسيًا من سكان المدينة.

أخوة القضية والنضال

وفد إلى سوريا عام 1948 حوالي 90 ألف فلسطيني، سكن معظمهم في العاصمة دمشق وتوزع البقية على محافظات الشمال والوسط والجنوب، وتركز وجودهم في 10 مخيمات معترف بها من قبل وكالة الأونروا، وهي عبارة عن تجمعات سكنية بيتونية تشبه في بنيتها الكثير من أحياء المدن السورية ذات طابع المخالفات السكنية.

ثم كانت هناك دفعات جديدة من اللجوء الفلسطيني أعوام 56، 67، 70، ويتمتع معظم اللاجئين الفلسطينيين في سوريا بأغلب الحقوق من تعليم وصحة وعمل وتنقل، عدا الانتخابات، وعليهم نفس الواجبات.

أشقاء ولكن..

شهد عام 2006 الحرب الإسرائيلية على لبنان، ونزح خلالها أكثر من 300 ألف نسمة، لم تقم لهم خيام على الحدود ولم يُعزلوا في قرى أو كانتونات، بل استضافهم السوريون في قراهم وبيوتهم ومدارسهم وقُدم لهم ما يحتاجونه.

لم تدم تلك الحرب سوى أيام، لكنها أثبتت أن الشعب السوري عامل اللبنانيين كأخوة دون أي منظور طائفي.

شراكسة البلقان

موجة الهجرة الشركسية الأساسية إلى سوريا بدأت خلال الحرب العثمانية الروسية، أي بين عامي 1877 و 1878، حيث تم تهجير الشراكسة من البلدان الأوروبية الواقعة تحت سيطرة الدولة العثمانية إلى سوريا، وحرموا وقتها من كافة حقوقهم ومنها حق العودة.

تمت هذه الهجرة ضمن ظروف صعبة جدًا، فبعد وصول المهاجرين إلى السواحل السورية كانوا يمضون أيامًا طويلة في العراء بانتظار منحهم أراض ليستقروا عليها، وتوفي الآلاف من الشراكسة جراء الجوع والأمراض المعدية التي عصفت بهم، ثم توزعوا فى المدن الرئيسية ليصل عددهم وقتها إلى 70 ألفًا.

أسس الشراكسة قرى عمان وجرش والقنيطرة ومنبج، ومع الوقت تحولت هذه القرى إلى مدن ووزعت عليهم الأراضي، ليساهموا في التطور الاقتصادي في المناطق التي استطونوا بها، إذ طوروا الأدوات الزراعية وأساليبها.

سقوط بغداد

كان وقع سقوط بغداد في نيسان 2013 مدويًا، ووقتها شعرت الشعوب العربية بألم احتلال فلسطين يتكرر مجددًا، بعيدًا عن وجهة نظرهم في صدام حسين.

ملايين العراقيين هجروا وكان نصيب الشقيقة سوريا أكثر من 2 مليون لاجىء وقتها، وسميت آنذاك أكبر أزمة نزوح قسري في العالم.

دمشق لم تعد فقط محطة للعراقيين الفارين من جحيم الحرب في بلادهم، بل تحولت خاصة خلال الصيف إلى ملتقى يجمع العائلات التي انقطعت عن بعضها خلال سنوات بفعل الهجرة إلى بلدان بعيدة.

ويمكن أن نسمع تفاصيل كثيرة عن الحياة في الشام لا تحفل بها الجرائد أو تنقلها الفضائيات، من خلال ارتياد المقاهي والأماكن العامة التي يرد إليها اللاجئون العراقيون.

هذه الهجرة نتج عنها جوانب سلبية، حيث أشارت دراسة حكومية سورية أن اللاجئين تسببوا بموجة غلاء غير مسبوقة طالت العقارات والإجارات بشكل رئيسي وزادت عن 200%، إلى جانب غلاء السلع الأساسية وخاصة المواد الغذائية؛ وارتفع استهلاك الكهرباء والماء ما أدى إلى تقنين فيهما وقدر صندوق النقد الدولي كلفة اللاجئين العراقيين على الاقتصاد السوري بمقدار 1.3 مليار دولار.

أغلب العراقيين كانوا يعبرون عن امتنانهم للشعب السوري على عكس ما يحصل في بلدان عربية كثيرة، حيث عوملوا في بعضها على الحدود كمجرمين.

وكما الأرض تدور فكذا الأيام، إنما يمتحن الناس وتمتحن النفوس، ولابد للسوري أن يثبت أينما كان، قدرته على الصبر والتأقلم وصناعة الحياة، من جديد.

 

المقال مترجمًا إلى الفرنسية بواسطة Syrie MDL

تابعنا على تويتر


Top