الثورة السورية، وسُنَّة التغيُّر الاجتماعي

د. محمد عادل شوك

التغيُّر، والتحول من حال إلى أخرى سُنَّة من سُنن الله في الكون، وهو أمر يشمل الكائنات الحيّة جميعها، ناهيك عن المجتمعات البشرية التي تُعدُّ الرائدة في ذلك، ولها في ذلك طرق وأساليب شتى، فمنها من يأخذ بالأسباب المادية فحسب، ومنها من يركن إلى الأماني والرغبات، ومنها من يجمع بينهما؛ فيجمع بين العمل الجاد الدؤوب، واستلهام العون والمدد من الله سبحانه.

وقد أشار الله سبحانه إلى هذه السنة الاجتماعية في كتابه العزيز، فقال: (إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)، و(ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ).

حيث أكَّد على أن التغيُّر ممكن في المجتمعات، ولا يحول دونه شيء؛ فعلى المصلحين ألَّا ييأسوا من العمل على تغيُّر واقع مجتمعاتهم، بل عليهم أن يبادروا إلى الشروع بتثوير المجتمع على شتّى الصُعُد والميادين، مستندين في حراكهم هذا على حزمة من المُثُل، والقيم، والمبادئ، تُشعر أنَّ ثَمَّة تحولًا حقيقيًا قد طرأ على المجتمع، وإلاَّ فإنَّ ما سيحدث لن يتعدّى الحراك العبثي، أو العمل المسلح في أثناء الثورات المسلحة، على حدّ تعبير «كرين برينتون»، مؤلف كتاب «تشريح الثورة»، وهو الأمر الذي نلحُّ عليه في الثورة السورية؛ فنرى أن يبادر القائمون عليها، على اختلاف مشاربهم السياسية والفكرية، ولاسيّما أصحاب الاتجاه السلفي الذين لديهم مشروع متعدد الجوانب، ولهم حضور مشهود في الساحة السورية، ممثلين بكبرى الحركات (أحرار الشام، نور الدين الزنكي، جيش الإسلام)، أن يبادروا إلى تنظيم دورات توعوية للمنضوين تحت لوائهم من الأنصار، حديثي العهد في التحوُّل، يُوضح لهم فيها ما يعنيه تغيُّر المجتمع من منظومة قيمية إلى أخرى؛ لا بلْ ينبغي أن يبادر الشرعيون منهم إلى توضيح مفهوم الاتجاه السلفي لهم، فجلُّهم قد اقتصر في الانتماء إليه على أمور شكلية لا تحمل الناس على الأُنس إليهم، والتأسِّي بهم.

نقول هذا؛ لأنه بموازاة الإنجازات النوعية التي يحققونها على الصعيد العملياتي، ينبغي ألَّا يفوتهم اِقترانها بهذه الحزمة القيمية، وإلاَّ كانوا كما قال الله تعالى (خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا)، وقدموا للمتربصين بهم خدمة مجانية.

ثم إنه عليهم أيضًا ألَّا يطمئنوا كثيرًا إلى نجاحهم في التغيُّر حال حصوله، لأن الانتكاسات واردة، فكما أن الإصلاح والتغيُّر ممكنٌ في المجتمعات؛ فإن الفشل والارتكاس ممكنٌ أيضًا؛ فالثورات المضادة عادة ما تعود أشدّ وأمضى من سابق عهدها، فأصحابها قد خبروا خصومهم، وعرفوا مواطن النجاح والفشل عند كليهما، وبذلك فهي ستتعامل معهم بقوة مفرطة  أكثر ممّا كانت من قبل.

إنَّ التغيُّر متاح، وممكن من جهتيه: صعودًا، وارتقاءً، هبوطًا، وتدنيًا، فكما أنه بيدِ المجتمعات أن ترتقي سلم الحضارة وتبلغ أقصاه، فإنَّه بيدِها كذلك أن تهبط عنه وتبلغ أدناه، فالتغيُّر يمكن حدوثه إيجابًا، وسلبًا.

وإنّ حدوثه من الله، كما أشارت الآيتان الكريمتان، مستندٌ على حدوثه من الناس ابتداءً، أي أن الرغبة في التغيُّر، واستحداث آلياته، والهمّ به لابدّ أن يكون سلوكًا بشريًا في المقام الأول، وبدافع من الإنسان نفسه، ثم بعد ذلك تأتي عناية الله وهدايته لأهل الإصلاح؛ فيوفقهم إلى مبتغاهم وييسر لهم سبيلهم، حتى يصلوا إلى التغيُّر المنشود، متى ما استقاموا على الطريقة، وأحسنوا التخطيط والعمل، ويأتي سخطه على أهل الضلال والزيغ حتى يوصلهم إلى مبتغاهم من التسفُّل والانحطاط الحضاري والقيمي.

وثمَّة أمرٌ آخر لابدَّ من الالتفات إليه في عملية التغيُّر، هو أنه لا يتعلق بآحاد البشر، في شقيه السلبي والإيجابي، بل هو متعلق بـ «القوم»، أي غالبية المجتمع، فإذا أرادت الغالبية تغيُّرًا إيجابيًّا تحقق موعود الله عز وجل لهم بالنجاح، وإن أرادت تغيُّرًا سلبيًّا تحقق لهم أيضًا سعيهم في ذلك.

هذا مع الأخذ بعين الاعتبار أن التغيُّر يشمل جوانب الحياة كلّها: الدينية، والسياسية، والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، والعسكرية، فلا يقتصر على مجال دون آخر؛ فمجاله واسع فسيح، يتعدّد بتعدد مجالات الحياة، ولا يحول بينه وبين تحقُّق الوعد الإلهي شيء، سوى أن تتوافر الهمة الإنسانية، ممثلةً في رغبة المجتمع في ذلك.

تابعنا على تويتر


Top