حرب أهلية أم حرب إبادة جماعية؟

15.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 41 – الأحد – 2-12-2012

   فادي سعد – كاتب سوري

سعى النظام السوري بعد شهور قليلة من انطلاق الثورة السورية إلى تفجير حرب أهلية، وجد فيها خلاصًا من الثورة، وملاذًا له ليستمر في الحكم، في الوقت الذي وجد هذا المسعى قبولًا مضمرًا عند قوى خارجية إقليمية ودولية. إلا أن كل محاولات النظام للدفع نحو الحرب الأهلية قد باءت بالفشل.

ويعتقد البعض أن البرهان على انعدام إمكانية نشوب حرب أهلية في سوريا يعود إلى أن الاشتباكات الجارية حاليًا إنما هي ما بين جيش بشار والثوار فحسب. كما أن المجازر يقوم بها الشبيحة ورجال الأمن دون أن يشترك بها الأهالي أو يردوا عليها، وييمكن إرجاع ذلك لسببين أساسيين:

الأول: مايزال كثير من السوريين المنخرطين في الثورة أو السوريين الذي تشكل مناطق سكنهم مجال حرب وقصف من قبل قوات النظام، مايزالون يعتقدون أن الثورة في سورية هي ثورة سلمية، غايتها الكرامة والحرية والدولة المدنية، ويرفضون التعامل بالمثل مع المجازر التي يرتكبها النظام. فلم نعرف حادثة واحده قام بها السكان ردًا على مجزرة قام بها الشبيحة في أي مكان من سوريا، وكل مارُصد حتى الآن إما أفعال فردية لا تتعدى الخطف المتبادل -في حمص خصوصًا- أو أعمالٌ تبين في النهاية أن النظام كان وراءها.

الثاني: وهو لازم عن الأول: إذ لم تدخل الفكرة الطائفية مجال الوعي الجمعي للسوريين حتى اللحظة، وذلك لسببٍ بدهي هو أن تعايش السوريين طويل الأمد نسبيًا. فلم يكن النظام البعثي حريصًا على شيء بقدر حرصه على الاستيلاء على وعي السوريين الجمعي، ودمج المجتمع السوري بهوية العروبة والبعث وأوهام الصمود والمؤامرة الإمبريالية الصهيونية، وهو ما شكّل من ناحية حصانة للسوريين ضد الطائفية، وشكل من ناحية ثانية تأسيسًا لهوية سياسية واحدة -تقوم على وهم- لكنها كانت كافية لتوحيد مشاعر وأفكار السوريين، وهي الخطوة الأساسية لبناء هوية وطنية.

لهذين السببين لم ينخرط السوريون في حرب أهلية حتى الآن، إذ لم يكن بإمكان النظام سوى أن يرتكب عمليات قتل وإبادة من طرف واحد، وعملية تطهير عنصري، استخدم لأجلها كل ما تفتق عنه ذهنه الفصامي العنصري، حيث أنه قارب، من حيث الأسلوب، ما ارتكبته الميليشيات الصربية بحق البوسنيين، ولا غرابة، فالراعي في كلتا الحالتين هو النظام الروسي؟

بشار الأسد، وبواسطة غرفة عمليات روسية – إيرانية، يسعى لتفكيك الوهم السياسي الجامع للسوريين، ليستبدله بأوهام أقل شأنًا وأقل إنسانية، محاولًا خرق الوعي الجمعي السوري، وصولًا إلى تحطيم الهوية السياسية للسوريين لتحل مكانها هويات طائفية وإثنية تلغي الهوية السورية على ضعفها… وهو ما يُمكّن النظام من الوصول إلى الحرب الأهلية التي ستكون الأداة الفاعلة والتمهيد العملي لتقسيم سورية إلى أربع أو خمس دويلات.

وعلى الرغم من أن كثيرين يتمنون انفجار حرب أهلية في سورية لأجندات ترتبط بالنظام ومصالحه، غير أن هذه الحرب المأمولة تبدو بعيدة عن آمالهم المريضة.

تابعنا على تويتر


Top