طوابير المراجعين أمام القنصليات..

النظام يمسك السوريين من جوازاتهم

_السورية_في_اسطنبول.jpg

 

        عدم الاعتراف القانوني بالائتلاف فاقم معاناة المهجرين

يقف السوريون في دول المهجر عند مطبات عديدة وضعها نظام الأسد وتواطأت عليها دول كثيرة، أبرزها الأوراق الثبوتية وجوازات السفر، فإما يُمنعون من الحصول عليها، أو تُشدد إجراءات استخراجها، وكل ذلك في ظل عدم اعتراف المجتمع الدولي بأي طريقة أخرى في منحها بهدف إذلالهم وإعادتهم إلى حظيرة الديكتاتورية، بالإيعاز لكافة القنصليات بعرقلة أمورهم وتنغيص حياتهم في ظل تراخي المجتمع الدولي عما يحدث لهم وعدم الاعتراف القانوني بالائتلاف كممثل شرعي وحيد للشعب السوري، ليضاف الحصار القانوني إلى سجل الحصارات الأخرى المطبقة عليه.

عنب بلدي – عدنان كدم

تضع القنصلية السورية في مدينة اسطنبول جملة تعقيدات للاجئين المقيمين في تركيا، تحول دون حصولهم على معاملاتهم إلا بشق الأنفس، وتبلغ ذروة التعقيد في الإجراءات القانونية التي تتم من خلال مخاطبة وزارة الخارجية والمغتربين في العاصمة دمشق.

تعقيدات مقصودة وتأخير متعمد

زكريا الحلبي، من أهالي مدينة حلب، قصد قنصلية النظام في اسطنبول بغية تجديد الحصول على جواز سفر من أجل التقدم إلى عمل في إحدى الدول الخليجية، ففوجئ بسلسلة إجراءات جديدة فرضتها القنصلية على مراجعيها، أبرزها الحصول على رقم وتاريخ معين وساعة محددة للدخول، يتم الحصول عليها من خلال اتصال هاتفي بأرقام موضوعة في لوحة إعلانات أمام مدخل بناء القنصلية.

لكن المشكلة بحسب زكريا ليست في الإجراء بحد ذاته، بل بتجاهل اتصالات المراجعين من قبل القنصلية، فالحصول على موعد يحتاج لتكرار الاتصال «مئات المرات»، ليقوم بعدها الموظف بسؤال المراجع عن المعاملة وطبيعتها، ثم يحدد كلفتها، التي تبدأ عادة من 200 دولا فصاعدًا.

الحلبي استطاع بعد أسبوعين من المحاولات التحدث إلى موظف القنصلية، الذي أملى عليه الأوراق المطلوبة لاستخراج جواز سفر جديد، وحدد له الكلفة بمبلغ 400 دولار، محددًا له تاريخ وساعة تقديم الأوراق في القنصلية بعد 4 أشهر ونصف من تاريخ اتصاله.

يقول الحلبي لعنب بلدي إنه خسر فيزا العمل بسبب تأخره في تقديم الأوراق المطلوبة لدى الدولة الخليجية، لكنه أصر على الانتظار وحصل على جوازه بعد 6 أشهر.

كما تحاول الفروع الأمنية التدخل بإجراءات وزارة الخارجية لعرقلة معاملات السوريين المقيمين في تركيا، بهدف الانتقام منهم، بحسب أحد المراجعين، ويدعى محمد غباش.

غباش قال إنه راجع القنصلية بعد مشقة كبيرة لمدة شهرين بغية الحصول على وكالة يفوض فيها أخاه نيابة عنه لاستلامه المبلغ المستحق له من وزارة الإسكان، تعويضًا لهدمها منزله في منطقة المزة بساتين، وبعد دفعه 200 دولار للقنصلية، جاء رد وزارة الخارجية برفض إعطائه الوكالة لاعتبارات أمنية.

وتابع غباش في شهادته لعنب بلدي، «بعد مضي أسبوعين من المدة المحددة للرد، اتصلت عشرات المرات دون رد من أحد، فذهبت إلى القنصلية لكنني لم أستطع الدخول، إذ منعتني الشرطة التركية، ولم يرد عليّ موظفو القنصلية عندما عاودت الاتصال بهم».

وأضاف غباش «بعد أن فقدت الأمل بالتواصل معهم استطعت بعد شهرين التحدث مع أحد الموظفين بالهاتف، فأعطاني دورًا بعد شهر مسجلًا عليه تاريخ وساعة مراجعة القنصلية، وعند مراجعتي، وكلي أمل أنهم سيعطوني ورقة الوكالة، تفاجأت أن رد وزارة الخارجية جاء بالرفض القاطع لاعتبارات أمنية، وخسرت مبلغ 15 مليون ليرة كحصتي في أسهم منزلي، الذي تم هدمه كي يشاد على أرضه بناء جديد».

دعاية خارجية

أصدرت وزارة الخارجية والمغتربين، في حكومة النظام السوري، في 24 نيسان من العام الحالي، قرارًا يقضي بالسماح للقنصليات والسفارات السورية في دول العالم، بمنح وتجديد جوازات ووثائق السفر السورية، دون الرجوع إلى إدارة الهجرة والجوازات في العاصمة دمشق.

ويتضمن نص القرار رفع الأجور القنصلية المتعلقة بمنح الجوازات الجديدة للسوريين المقيمين في الخارج، إلى 400 دولار أمريكي أو ما يعادلها باليورو.

ويؤكد نص القرار على أن للسفارات والقنصليات السورية خارج البلاد الصلاحية لتجديد أو منح جوازات السفر بمجرد استيفاء الرسوم المترتبة على ذلك، دون الانتظار أو الرجوع إلى إدارة الهجرة والجوازات العامة في العاصمة دمشق.

ويرى محللون أن النظام حاول من خلال مرسومه تلميع صورته أمام المجتمع الدولي، بينما استمر بتأخير معاملات السوريين في معظم قنصلياته، وتعقيد إجراءاتها.

يقول أحد المراجعين، الذين عانوا من تعقيدات المعاملات، لعنب بلدي «لو أراد النظام فعلًا تنظيم أمور المراجعين والمضي بمعاملاتهم بأسرع وقت ممكن، لقام بإنشاء موقع على الإنترنت يتم الحصول من خلاله على موعد بشكل مباشر دون الحاجة للانتظار أيام طويلة أمام القنصلية أو الاتصال مئات المرات بأرقام وهمية».

دَور للبيع

ابتزاز المواطنين على أبواب المؤسسات الحكومية، الذي عُهد عن نظام الأسد، عن طريق الأكشاك والوسطاء الذين يتواجدون في أماكن ازدحام المراجعين، انتقل إلى القنصليات السورية العاملة في بعض البلدان.

ففي اسطنبول، برزت ظاهرة «الشقيعة» أو من يعرفون بـ «متعيشي الفساد»، على أبواب القنصلية السورية، فيقوم أشخاص متعاملون مع موظفي القنصلية، في الغالب، باستغلال حاجة المراجعين المصطفين بالطوابير، وعرض مواعيد قريبة للبيع، مقابل مبالغ تبدأ بـ 200 ليرة تركية وتصل إلى الضعف في بعض الحالات.

وتحت ضغط الحاجة يتجاوب الكثيرون مع هؤلاء ويدفعون لهم المال مقابل الحصول على مواعيد قريبة تجنبهم الانتظار الطويل، بينما يرفض البعض دفع أي مبالغ، كون معظمهم يعيشون أوضاعًا إنسانيةً «مزريةً»، منتظرين دورهم الطويل بكل أسىً ولوعةً.

عوائد مالية

تعاني المناطق الخاضعة لسيطرة النظام من تفشي ظاهرة الفساد والرشاوى في المؤسسات والمديريات التابعة لها، ومن ضمنها إدارة الهجرة والجوازات، التي وجد العاملون فيها ظروفًا ملائمة لابتزاز أكبر قدر ممكن من المواطنين مقابل حصولهم على جوازات السفر.

وكشف مصدر في الإدارة في مدينة دمشق أن عدد الجوازات الممنوحة لمقدمي الطلبات خلال شهر شباط من العام الحالي وصل إلى ما يزيد عن 43 ألف جواز سفر جديد أو مجدد، مؤكدًا أن وزارتي الخارجية والمالية ووزارة العدل أصدرت بالتنسيق فيما بينها تعليمات جديدة لمنح الجوازات دون اللجوء إلى «الأساليب الملتوية»، من خلال ميزة الجوازات المستعجلة أو الفورية، وتبلغ تكلفة الجواز الواحد (الفوري أو المستعجل)  19320 ليرة سورية، في حين تبلغ تكلفة الجواز العادي 6 آلاف ليرة.

منوهًا أن ريع أجور الجوازات تذهب إلى وزارة المالية، كونها هي التي تصدر الطوابع وتوزعها على الأكشاك بعد اقتطاع الأجور المستحقة، وهي مبالغ مالية كبيرة تسهم في دعم سيولة الوزارة.

سمسرة في وضح النهار

يصطدم عدد كبير من الشبان المتقدمين للحصول على جواز سفر بعائق تبليغهم بالخدمة الإلزامية أو الاحتياط، ما يحول دون حصولهم عليه إلا بعد أخذ موافقة من شعب التجنيد، ليأتي دور السماسرة المرتبطين مع موظفين متنفذين في شعب التجنيد وإدارة الهجرة، بغية الحصول على ورقة «لا مانع من منح جواز السفر»، شريطة دفع المال اللازم، الذي يزيد كلما كان وضع المراجع «صعبًا».

هذا ما أوضحه عادل محمود، أحد الذين دفعوا رشاوى مقابل الحصول على جواز، مؤكدًا أنه يمكن حل مشكلة شعبة التجنيد من خلال دفع المال لسماسرة يكونوا صلة وصل بين الشعبة والمراجعين.

ونوه محمود إلى أنه استطاع السفر عبر الطائرة دون أن توقفه أي جهة أمنية في مطار دمشق، رغم تبليغ شعبة التجنيد له بالسوق للخدمة الإلزامية، إذ أمن سمسار له ورقة تأجيل الخدمة العسكرية التي سمحت له بالحصول على جواز السفر، وذلك مقابل 55 ألف ليرة سورية.

النظام السوري: أنا هنا

«يتقصد النظام توجيه رسالة لكافة السوريين المتواجدين في تركيا بأنهم عاجزون عن فعل أي شيء من دون النظام، باعتبارهم غير معترف بهم حتى في تركيا والدليل عدم قدرتها على إغلاق القنصلية»، هذا ما بينه الصحفي غسان ياسين لعنب بلدي، مضيفًا «حتى في مناطق سيطرة النظام نلحظ ظاهرة تعقيد المعاملات، لا سيما منح جوازات السفر، كون الفساد ينخر في مؤسسات النظام، وتسود الرشاوى والمحسوبية، وقد يطول الحصول على جواز سفر لشهور عديدة، كما نلحظ عمليات الابتزاز حتى بحق مؤيديه».

ولفت ياسين إلى أنه لا يجب إلقاء اللوم على حكومة الائتلاف بعجزها أمام ما يحدث، وإنما هي مشكلة 5 ملايين مهجر سوري غير معترف بهم إلا من خلال الأوراق الثبوتية الممهورة لدى قنصليات النظام، فالمجتمع الدولي لم يبت حتى الآن بمسألة سحب شرعية النظام والاعتراف بالائتلاف كممثل شرعي وحيد للشعب السوري، حتى من قبل الدول التي فتحت سفارات للائتلاف يكون الاعتراف شكليًا والدليل على ذلك عدم قبول أي أوراق رسمية صادرة عن المعارضة.

ونوه ياسين إلى ضرورة إعطاء السوريين المتواجدين في المهجر «أبسط حقوقهم الإنسانية»، ومنحهم جوازات سفر وأوراق ثبوتية «غير صادرة من أروقة النظام»، كي يتسنى لهم التنقل بحرية تامة دون أي منغصات، على غرار ما قامت به مفوضية الأمم المتحدة في منحها جوازات سفر للعراقيين بعد عام 2003، تجيز فيه تنقلهم في كل دول العالم دون مشاكل.

لا جوازات لدى الائتلاف

نصر الحريري، عضو الهيئة السياسية للائتلاف السوري، كشف لعنب بلدي أنه لا يوجد اعتراف قانوني بأي جهة ممثلة للشعب السوري من قبل المجتمع الدولي، «صحيح أنه تم سحب الشرعية السياسية عن نظام الأسد، إلا أن هناك تراخ مقصود بعدم منح أي إثبات قانوني لملايين السوريين».

وحول ممارسات قنصليات النظام في تأخير معاملات السوريين في الخارج، لفت الحريري إلى أن العمل مقصود من جهة النظام لتنغيص السوريين في الخارج، من خلال الإيعاز للقنصليات بتأخير تسيير معاملات الناس بهدف «إذلالهم»، كما تمارس الملاحق الثقافية والتجارية التابعة للنظام مهمات استخباراتية في التجسس على السوريين ونقل أسمائهم وأوضاعهم للفروع الأمنية، كما يأتي تراخي القنصليات وتأخرها في إعطاء الأوراق الثبوتية بغية دفع السوريين إلى الولاء المطلق للنظام و»العودة إلى حضنه».

وأشار الحريري أن الحل الأفضل لتخليص السوريين من همومهم هو نزع المجتمع الدولي الاعتراف القانوني عن النظام، كما نزعت عنه مسبقًا الشرعية السياسية، ليصار إلى استصدار وثائق أخرى من خلال الحكومة السورية المؤقتة تنشأ فيها وزارات للداخلية والعدل ومديريات الأحوال المدنية والشؤون القانونية، أو من خلال استصدار الأمم المتحدة لهذه الأوراق.

وعن محاولة الائتلاف استصدار جوازات سفر معترف بها، أكد الحريري أن هذه المحاولة باءت بالفشل لعدم وجود نية حقيقية من قبل الدول في الاعتراف بشرعية الائتلاف، حيث قامت سفارة الائتلاف في قطر باستصدار جوازات سرعان ما أوقفت لأسباب أمنية وسياسية، باعتبار أن كافة دول العالم لم تعترف بها.

يحكم نظام الأسد حصاره على السوريين في الداخل بمنعه الغذاء والدواء وحرية الحركة والعمل عنهم، ومن الخارج يشدد إجراءاته على أوراقهم ومعاملاتهم فارضًا عليهم حصارًا قانونيًا يحول دون حصولهم على أبسط حقوقهم.

أوراق ثبوتية لازمة وجوازات سفر ضرورية، حاجات بسيطة لم يفكر السوريون يومًا أنها ستتحول حبالًا تلتف حول رقابهم في بلدان المهجر، أو سلاسل تقيدهم في أرض الديكتاتورية، حيث القتل والاعتقال والإذلال، لتزيد من مآسيهم المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات، وتضيع قضيتهم في أروقة القنصليات وشعب التجنيد وعلى حواجز المطارات.

تابعنا على تويتر


Top