«الصنم»… هل سقط بفعل الثورة

12.jpg

 

جريدة عنب بلدي – العدد 41 – الأحد – 2-12-2012

بشير – حماه

لازالت الثورة السورية تكشف لنا المزيد والمزيد من الأضرار الجسيمة التي اقترفتها أيادي الأسد الأب ومن بعده الابن بحق المجتمع السوري. تلك الأضرار التي نشبت في الجسد السوري وأخذت تُمزقه اجتماعيًا وفكريًا وسياسيًا… وكل ذلك يندرج ضمن العقلية الاستعمارية التي استقى منها حافظ الأسد أفكاره، حيث أصبح الشعب ملكًا للنظام يفعل به ما يشاء!! وليس العكس كما ينبغي.

فعمل الأسد الأب بقبضته الأمنية على تقريب بعض من علماء السلطان والرموز ليكونوا بمثابة الموجّه و»الدينمو» لعقل المجتمع، مع السعي لضمان الانزواء «القسري» للمثقفين بفعل اليد الحديدية القمعية لأجهزة الأمن السوريّة التي كانت تلجم كل متكلم ومُصلح بلجامٍ من نار… وعلى خطى الأب سار الابن أيضًا.

فلقد قدّم الأسد إلى المجتمع في السوري في ظل الأربعينية السوداء أصنامًا عديدة في الفكر والفن والدين والسياسة والعسكرة والإعلام… إلخ، إلا أن هذه الأصنام كانت أشد خطرًا من أصنام الجاهلية الأولى، فتلك كانت جامدة، أما هذه فهي تتحرك وتظهر وتطول وتقصر مترسخّة هي وأفكارها، وداسّةً سمومَها في العقل الجمعي للمجتمع رغمًا عن أنفه.

طغيان الأشخاص وتمثيل الفكرة بالشخص أحد أخطر الأفكار التي كبّلت المجتمع السوري في الحقبة الأسديّة. فسائر أخطاء ونزوات الشخص «الصنم» تنعكس بشكل مباشر على المجتمع الذي تمّثل له هذا الشخص -سواء الرئيس المعبود من دون الله، أو العالم أو إمام المسجد أو المثقف- مثلًا أعلى «ورجلاً سماويًا» لا يمكن أن يقع الخطأ أوالزلل على يديه أو عقله أو شفتيه! فترى عوام الناس «الإمّعات» يسيرون على نهجه دون التحقق من أقواله وأفعاله، ودون إعمال العقل فيما يقدم – ذاك الصنم- من نصوص مجتزأة من سياقها وأقوال وكذا أفعال بغير موطنها، ليُوصِل مايريد إلى العقل الجمعي.

من ناحية أخرى لا تقل خطورة، إذا انحرف ذلك الشخص «الصنم» وابتعد عن جادة الصواب في الفكر والسلوك -البوطي مثالًا حاليًا- ترسّب ذلك على شكل رفض كبير للمثال الأعلى ذاك وما يمثّله من فكر وما ينتمي إليه من تيّار. وعلاوة على ذلك وكردّة فعل مضادّة يبحث المجتمع عن مثالٍ أعلى آخر علّه يعوض تلك الخيبة العريضة التي سببها له مثله الأعلى، فتراه يتبّنى شخصًا آخر ليحل محل «الصنم» القديم مقترفًا بذلك ذات الخطأ -رموز المعارضة الحاليّة فيها أمثلة كثيرة عن ذلك-  وهنا يبرز خطأ الفكرة بصنع أصنام جديدة بغض النظر عن الشخص الذي يتم تحويله إلى «صنم».

الإسلام نبّه إلى خطر تجسيد الفكرة بالشخص بشكل علني معلنًا خطر طغيان الأشخاص على الأفكار، وكان المثال المستخدم في التنبيه هو الرجل الذي لاينطق عن الهوى، الذي يستقي أقواله من وحي الله تعالى مباشرة حيث قال تعالى: «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ،أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ»

طبعًا هذا التحذير ليس موجهًا لتفادي خطأ -مستحيل- من الرسول المعصوم أساسًا عن الخطأ –عليه الصلاة والسلام- ولكنه من أجل الإشارة إلى خطر تجسيد الأفكار بحد ذاته، ولتُنفى الفكرة بشكل جذري من عقل الأمة عبر هذا المثال الجريء.

هذا النمط من التفكير الذي حذّرنا منه الله سبحانه وقعنا به طيلة فترة حكم الأسد -باعتبارنا ولدنا على وجوده- وسيطر على طريقة تفكيرنا طويلًا… بل وحتى في ظلّ الثورة وقعنا في أخطاء في الفكر مماثلة، فكنّا نعزي الفشل السياسي مثلًا للمجلس الوطني أو لتجمعات سياسيّة أخرى بأن هناك شخص واحد مسؤل عن تلك الأخطاء، هناك «رجل نحس» يلازمنا ولابد من الإلقاء به بعيدا!! في حين أن التفكير يجب أن ينصب حول جملة الأسباب المجتمعة التي تسببت بتلك الأخطاء ومن ضمنها ذلك الشخص، وضرورة الاستفادة وأخذ الدروس من تلك الحوادث السياسية كي لانقع بها في المستقبل الزاهر الذي نريده ينتظر هذا البلد.

لابدّ من الانتباه إلى تلك الأخطاء في التفكير علّ الثورة تطهرنا من الاستبداد الفكري الذي عانينا من براثنه لسنوات طويلة… وما ذلك ببعيد بإذن الله.

 

تابعنا على تويتر


Top