محمد قريطم (أبو النور) شمعة لن تنطفئ

-قريطم-أبو-النور-30-11-2012-4-300x2251.jpg

قلة هم أولئك الذين ينيرون الدروب للآخرين في ظلمة الليالي ويأخذون بأيديهم إلى الطريق الصحيح… قلة أولئك الذين يستطيعون بث الأمل في النفوس رغم المصاعب والمصائب….

محمد قريطم، أبو النور… واحد من أولئك الذين استطاعوا ربط فكرهم بعملهم… كان مبدعًا… يأتي بأفكار وأراء مميزة تترك أثرها في النفوس… وكان من أوائل من يعمل على تنفيذ هذه الأفكار وتطبيقها على أرض الواقع…. كان محبًا لوطنه وأمته ومجتمعه فسعى جهده لتقديم الأفضل لهم، وسخّر وقته وعقله وفكره لخدمتهم….

في العام 2003 لم ترهب سطوة النظام الأمني وقتها الطالبَ الجامعي الناشئ عن العمل لمستقبل أمته التي حمل همومها فإذا به مع أصدقائه من أبناء داريا يحاولون نشر ثقافة محاربة الفساد والرشوة، وعملوا معًا لنظافة مدينتهم… فكانت يد النظام الظالمة بانتظارهم جميعًا… فاعتقل أبو النور وأصدقاؤه وسجنوا مدة من الزمن، إلا أن ذلك لم يثنه عن متابعة المشوار بل زاده إصرارًا وعزيمة فأكمل دراسته وتخرج من جامعته..

مع انطلاق الثورة السورية كان أبو النور من أوائل الذين نادوا بالحرية والكرامة، لأنه آمن على الدوام أن «للحرية والكرامة ثمنًا كبيرًا… ولكن ثمن السكوت عن الظلم والذل أكبر بكثير» فكانت له بصمته في الحراك الثوري في داريا، مما دفع بالأجهزة الأمنية لملاحقته منذ بدايات الثورة وقامت باعتقال أخيه وبعض أقاربه للضغط عليه، ونجا هو من الاعتقال أكثر من مرة…

وفي ظل هذه الظروف الصعبة والضغوط من كل مكان، كان «أبو النور» المبدع وصاحب الأفكار الخلاقة…

فحين ازداد بطش النظام وفقدت داريا –كما غيرها من المدن- زينة شبابها، وارتفعت وتيرة القمع بحق  كل من يبدي معارضة للنظام داخل المدينة وأجبر شباب داريا على عدم الخروج في التظاهرات، كانت فكرة أبو النور المبدعة بـ «مظاهرة الفزاعات» التي أثارت جنون قوات الأمن -التي كانت تتجول على مدار الساعة في شوارع المدينة-، ليوصل الرسالة بأن داريا تريد الحرية وماضية في الطريق حتى ولو فقدت كل شبابها وأبنائها…

وبعد أن ارتفعت وتيرة عنف النظام وبدأ بعض شباب داريا يميلون إلى العمل العسكري في المدينة وبعد أن ظهرت بعض مضاعفات حمل السلاح العشوائي وأخطائه، كان لا بد لمحمد من أن يجد طريقة جديدة ليوجه رسائله إلى الشارع الذي بدأ يفقد بوصلته الثورية، فكانت فكرة اللوحات الطرقية التي تحمل عبارات توعوية وشعارات الثورة السورية وأهدافها، والموجه  لأهالي المدينة. وقد أشرف أبو النور مباشرة على تنفيذ اللوحات وكتابتها وتعليقها، وقد كان يخرج حتى أوقات متأخرة من الليل مع أصدقائه لتعليق اللوحات وإرشادهم على أماكن تعليقها في مختلف شوارع وأحياء داريا، لتكتسي داريا في الأيام التالية بعشرات اللوحات واللافتات التي تحمل أهداف ومفاهيم الثورة السورية.

«عنب بلدي» كانت إبداعًا آخر من إبداعاته… فكان أبو النور أحد مؤسسي الجريدة التي أراد شباب داريا ونشطاؤها أن تكون معبرة عن حال داريا، وصوتها الذي يصل إلى كل مكان. وتحقق الحلم وصدرت أعداد الجريدة تباعًا وكان أبو النور أحد أعضاء مجلس إدارة هذا المشروع الناشئ وكانت له مساهماته المستمرة. وحين خرج من مجلس إدارة الجريدة نتيجة «الانتخابات» التي دعا هو إليها، بقي نشاطه ودوره في الجريدة كما هو، وكان مع الفريق على الدوام… وكثيرًا ما كان ينضم للفريق وهم يعملون على إصدار العدد، ليضع بصمته هنا وهناك. كما كان لصحن الفول الذي يأتي به صباح كل أحد بعد إنجاز العدد نكهته المميزة لدى أعضاء الفريق.

حين بدأت الحملة الأخيرة على داريا مطلع شهر تشرين الثاني 2012، وبعد أن اشتد القصف على المدينة وخرج معظم أهلها منها، أصر أبو النور على البقاء داخل داريا، ليكون مع من تبقى من أبنائها يقدم لهم العون والمساعدة، ويسهم بنقل الصورة من المدينة الجريحة المنكوبة إلى العالم كله. وقد كان يتنقل من مكان إلى آخر دون كلل ليتابع شؤون العمل والتنسيق فيما بين النشطاء الذين قرروا البقاء داخل المدينة لتغطية الحملة وللإسعاف والإغاثة.

ويوم الأربعاء 28 تشرين الثاني 2012 فُقد الاتصال بأبي النور بعد أن ذهب إلى رفيق دربه الأستاذ عبد الرحيم شربجي (أبو مصعب) وصديقه المصور   مروان شربجي (أبو إياس) في منزلهما على طريق المعضمية، وقد تزامن وجوده في تلك المنطقة مع عدة غارات جوية شنتها طائرات الميغ على المدينة، حيث ألقت عليها صواريخ يرجح أنها تحمل موادًا غازية سامة.

وبعد يومين من البحث عنه، وفي يوم الجمعة 30 تشرين الثاني، وُجد أبو النور في المنزل الذي قصده مستهشدًا إلى جانب صديقيه الأستاذ عبد الرحيم شربجي ومروان شربجي، وهم في حالة قاسية بعد أن سقطت عدة صورايخ في المنزل الذي كانوا يتواجدون بداخله دون أن يستطيع أحد الوصول إليهم وقتها.

غادر أبو النور دنيانا، ليترك لنا أمانة كبيرة وإرثًا عظيمًا، وليترك طفلتيه الصغيرتين ومعهما الأمل بأن الحياة مستمرة…

 

تابعنا على تويتر


Top