ما مصير أموال المودعين في حال إفلاس البنوك

9.jpg

وقفنا في العدد السابق عند قراءة لوضع النظام المصرفي السوري من خلال المعلومات المصرح بها من البنوك اللبنانية، حيث تبين تراجع الودائع بأكثر من النصف، كما تدنت معدلات الاقتراض بنسبة مماثلة. كما أشرنا إلى ارتفاع نسبة القروض المتعثرة بسبب عجز المقترضين على سداد الأقساط المترتبة عليهم بسبب الظروف الأمنية والاقتصادية التي يعيشها المواطن السوري.

وسنحاول اليوم إلقاء الضوء على المصير المحتمل للودائع المتبقية في المصارف في حال تعرضها للإفلاس و/أو في حال إعلان توقفها عن العمل في السوق (كما صدرت تصريحات بذلك عن بنك عودة – سوريا وتم نفيها لاحقًا).

ونتساءل: هل هناك ضمانات على الودائع تضمن إعادة دفع أموال المودعين في حال إفلاس المصارف؟!

ينص قانون النقد الأساسي رقم (23) لعام 2002 أنه في حال تصفية المصرف، يتمتع المودعون بامتيازات على الاحتياطي الخاص والاحتياطي الإلزامي لدى المصرف المركزي. ولكن هذه الاحتياطيات ليست كافية لتغطية كافة الودائع، لذا فإن معظم الدول تصدر قانونًا خاصًا بضمان الودائع لدى المؤسسات المالية. ففي سوريا ينص مشروع قانون نظام ضمان الودائع على إلزام المصارف العامة والخاصة والمؤسسات المالية الأخرى، التي تقبل الودائع في حال تطبيقه على ضمان جميع أنواع ودائع العملاء بالليرة السورية، ولكن لم يتم تحديد الحد الأقصى من الودائع الذي يتم تعويضه في حال إفلاس المؤسسة المالية. كما أن القانون لا يضمن ودائع كبار المودعين الذين تفوق قيمة ودائعهم السقف المحدد بموجب القانون، إذ يقع على عاتقهم عبء الخسارة كنوع من المسؤولية لتحقيق التوازن بين العائد والمخاطرة.

وإذا ما أردنا المقارنة مع الأنظمة العالمية لحماية الودائع، ولنأخذ قانون حماية الودائع في بريطانيا مثالًا، فإن الودائع لدى البنوك تعتبر مضمونة في حال إفلاس المؤسسة المالية، ويعتبر الحد الأعلى الذي يمكن تغطيته للوديعة بمبلغ 85000 جنيه استرليني (أي مايعادل 11 مليون ليرة حسب سعر الصرف الحالي للجنيه)، أما في باقي دول الإتحاد الأوربي فإن الحد الأقصى المضمون للودائع يقدر بـ 100000 يورو (أكثر من 10 ملايين ليرة سورية حسب سعر الصرف الحالي).

ولكن، هل يعتقد المودعون لدى البنوك العاملة  في الأسواق السورية أن أموالهم مضمونة من قبل المصرف المركزي وبموجب القوانين المالية المعمول بها في حال تعرض أي مصرف للإفلاس أو للسرقة؟!

تاريخيًا لم تحترم السلطات السورية القوانين ولم تطبق المعايير المصرفية الموضوعية خلال فترات الاستقرار!! هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن المصرف المركزي كان، قبل بدء الثورة السورية، يتمتع بنوع من الاستقرار والملاءة المالية التي تمكنه من دعم أي مصرف في حال إفلاسه – في حال أراد المصرف المركزي دعمه-، ولكن النظام السوري ومعه المصرف المركزي يعاني اليوم من ضغوطات مالية وحصار اقتصادي خانق وعجز كبير في الموازنة العامة للدولة وتوقف معظم المصانع والورش والشركات عن الإنتاج والعمل. وهنا وفي ظل هذه الظروف يبرز السؤال: كيف ستفي الحكومة بالتزاماتها المادية تجاه صغار المودعين في حال إفلاس المصارف أو تعرضها للسرقة و التخريب، وهي المشغولة في قتل الناس بمن فيهم صغار وكبار المودعين، وتهديم البيوت وتدمير المدن والقرى بشكل كامل وسرقة الممتلكات الخاصة وحرقها. من يقرأ تصرفات رجال الأمن والشبيحة بشأن عمليات السرقة والنهب بدءًا من تطبيق مبدأ سرقة ما خف وزنه وغلا ثمنه، إلى مشاهد سيارات الزيل العسكرية المحملة بعفش البيوت والمحلات مغادرةً للمناطق المقتحَمة، وصولًا إلى إنتشار ظاهرة أسواق المسروقات، يصبح على يقين تام أنه لا يفصل النظام وشبيحته عن عمليات سرقة الأموال المودَعة بالبنوك إلا أسابيع أو أشهر معدودة. فما الذي يمنعهم من القيام بذلك؟! وهم الذين لا ضابط أو رقيب أو محاسب لتصرفاتهم، وقد أُطلقت أيديهم في طول البلاد وعرضها. ألم تُسرق بنوك العراق أثناء الحرب وضاعت معها كل مدخرات الناس.

إذًا ماهو الحل أمام دولة مفلسة ولا يُوثق بها، وأمام شبيحة تسرق كل ما يقع تحت أيديها في البيوت والمحلات، وربما تطال أيديهم قريبًا أموالَ البنوك؟

إدخار الأموال النقدية في البيوت أصبح اليوم غير آمن!! إما بسبب عمليات السرقة أثناء الاقتحام، أو ضياعها واحتراقها نتيجة قصف البيوت وتدميرها. والمصارف آمنة نسبيًا الآن، ولكن ليس في المستقبل القريب كما هو متوقع. فإذا كنت ماتزال تثق بالحكومة وبأن يداها مبسوطتان، وبأن أيدي الشبيحة مكفوفة ومغلولة عن البنوك ولن تطالها؛ فلا مانع من إبقاء أموالك لديهم، حتى تصدق بعينك عندما تسمع وتقرأ أخبار الإفلاس وسرقة البنوك، وعندها لن ينفع الندم. أما إن كنت ممن لجأ للبنوك خوفًا على أمواله أثناء اقتحام الشبيحة للمنازل، فالحل هو الاحتفاظ بالحد الأدنى من الأموال اللازمة لتغطية مصارف الأسرة أو بعض الأعمال المتبقية في سورية، وسحب الفائض عن الحاجة وإيداعها في بنوك الدول الأخرى – المجاورة لسورية أو غيرها- من الدول التي تحترم القوانين وتضمن أموال المودعين، أو أن ترسلها إلى قريب أو صديق في الخارج تثق به فيحفظها لك إلى حين أن تنتهي الأزمة ليعيدها لك إلى سوريا ومصارفها في ظل نظام مصرفي جديد يضمن لك حقوقك ويحترم القوانين.

تابعنا على تويتر


Top