في عالم عديم الأخلاق العدمية هي الهدف والمأوى

محمد رشدي شربجي

لا يعدم السنة في المشرق العربي سببًا يقدمه لهم العالم كل يوم لكي يتخلوا عن عقولهم وييمموا وجوههم شطر داعش، بينما على المرء أن يقبض على الجمر إن صح التعبير، ويخترع الحجج والأسباب اختراعًا ليحتفظ لنفسه بشيء من العقل.

على مدى أربعة أعوام ونصف، محا بشار الأسد مدنا بأكملها، وأفنى أممًا داخل سجونه، شرد الملايين، وخلق الأرضية لتنظيم الدولة الإسلامية، ثم بعد هذا كله يحمل السنّة مسؤولية ما جرى، ويصبحون أزمة لدى أوروبا، التي لا تجد طريقة لحلها إلا الدعوة للقبول ببشار الأسد رئيسًا لمرحلة انتقالية لفترة غير محددة.

منذ أن سربت بعض التقارير الصحفية لأول مرة عن الانتشار العسكري الروسي في سوريا، امتلأت المراكز البحثية العربية والأجنيبة بعشرات الدراسات والمقالات التي تحلل أبعاد هذا التدخل من دوافعه، كما تنتشر كل يوم عشرات الصور الملتقطة فضائيًا لآليات عسكرية داخل سوريا، فبعد شهور من التنبؤ بتغيير الموقف الروسي من الأسد، قلب الكرملين الطاولة على الجميع وقرر التدخل بنفسه في المستنقع السوري معلنها صراحة أن لا تغير في موقف روسيا من الأسد.

يرى مجموعة من باحثي معهد دراسة الحرب أن هذا التدخل جاء بعد مخاوف روسية من انهيار الأسد، ولذلك يهدف إلى الحفاظ على معاقل الأسد المتبقية كخطة أ، حماية مصالح روسيا في الساحل السوري من هجمات المعارضة كخطة ب، كما أن روسيا ترى في تنظيم الدولة خطرًا مباشرًا على أمنها القومي، ولا ترى في سوريا أحدًا قادرًا على مواجهة التنظيم إلا بشار الأسد، بحسب ما يقول الباحث ديمتري ترينين مدير مركز كارنيغي في موسكو.

ولكن التدخل الروسي لن يكون سهلًا على الإطلاق، فما زال كابوس أفغانستان عالقًا في الخيال الروسي، بحسب الباحثة آنا بورشفسايكا في معهد واشنطن، كما أن التكلفة الاقتصادية ستكون كبيرة جدًا على روسيا، خاصة مع الانهيار الكبير في أسعار النفط عالميًا.

ترافق التدخل الروسي مع هياج عالمي سببته قضية اللاجئين، التي بدأت تقض مضاجع أوروبا، مع قناعة أوروبية متزايدة أن أزمة اللاجئين سببها تنظيم الدولة الإسلامية وليس نظام الأسد، وهو ما دفع بعدة دول لاقتراح تعاون مع روسيا بغية إيجاد حل في سوريا ولو مع بقاء الأسد لفترة غير محددة.

الموقف الأمريكي يبقى هو الأكثر خبثًا والتباسًا، فالرئيس الأمريكي الواقعي سياسيًا لا يهمه من سوريا بعد صفقة الكيماوي إلا تحجيم تنظيم الدولة للحد الذي يجعله بعيدًا عن تشكيل تهديد مباشر على الولايات المتحدة، وعلى من يشعر بالتهديد المباشر أن يحمي نفسه بنفسه، كل ما ستفعله أمريكا أنها ستبيعه السلاح وتقدم له الدعم الإعلامي، فوحدهم الأغبياء هم الذين يعتمدون في أمنهم على غيرهم كما تقول الواقعية السياسية، وأمام هذا التشظي الهائل في المنطقة (والتي ساهمت أمريكا بجزء كبير منه) تعتمد الولايات المتحدة سياسة الاحتواء تجاه حلفاء يكرهون بعضهم أكثر من كراهيتهم لداعش، تدعم الأكراد ضد داعش مع علمها بأهدافهم ضد تركيا، وتدعم الأتراك ضد داعش مع علمها بأهدافها ضد الأكراد، وكذا تدعم السعودية في اليمن، وإيران في العراق، وأخيرًا ترحب بالتدخل الروسي في سوريا.

لم يعد ممكنًا بعد تدخل روسي بهذه الوقاحة، وقبله تدخل إيراني أشد وقاحة، رفض قدوم الجهاديين من كل أصقاع الأرض «للدفاع عن الإسلام في سوريا ونصرة أهلها»، خاصة عندما يتحدث العالم كله عن المخاوف من سيطرة السنة على الحكم في سوريا إذا سقط بشار الأسد (لافروف قال ذلك بالحرف بالمناسبة).

بكل تأكيد فإن النتيجة الوحيدة التي سيجنيها العالم من هذه الحرب الكونية على الإرهاب هي دفع المشرق العربي إليه، ففي عالم عديم الأخلاق كالذي نعيش فيه، تصبح العدمية هي الهدف والمأوى.

تابعنا على تويتر


Top