“الثلاثاء الأسود” كيف يستعيد حي الجورة ذكريات المجزرة؟

-الزور.jpg

سيرين عبد النور – دير الزور

لحي الجورة ذكريات كثيرة في أذهان الديريين، إذ ارتبط اسم الحي بالثورة وعرف الوادي الموجود فيه بـ “الذئاب” لما يتسم به الأهالي من شظف العيش وشقاء الحياة ليكونوا من أوائل الملتحقين بنشاطاتها السلميّة؛ لكنه اليوم يقبع تحت حصار مزدوج من النظام وتنظيم “الدولة الإسلامية” بينما يستذكر ناشطوه “الثلاثاء الأسود” حين اقتحمت قوات الأسد الحي قبل ثلاثة أعوام.

تروي الحاجة أم محمد، وهي من سكان الجورة، كيف انتشر الرعب ولزمت كل عائلة بيتها بعد اقتحام قوات الأسد بتاريخ 26 أيلول 2012، وتقول «كانوا يجمعون الشباب والرجال في الحي بشكل عشوائي ثم يقتلهم الجنود مستخدمين أشكالًا متعددة بالرصاص أو ذبحًا بالسكاكين أو حتى حرقًا في الأفران، فيما بقي مصير العشرات مجهولًا حتى اللحظة»؛ وصف تؤكده العديد من شهادات أبناء الحي والفيديوهات والصور المسربة التي التقطها عناصر من الحرس الجمهوري متباهين برصف الأهالي وإطلاق النار عليهم.

ووثق ناشطو المدينة 154 شهيدًا بالاسم في المجزرة التي استمرت أيامًا، قبل أن يعود الهدوء تدريجيًا إلى الحي، ولم تستطع السنوات أن تنسي أهالي الحي هول المجزرة في الحملة التي شنها آنذاك، اللواء جامع جامع، رئيس فرع المخابرات العسكرية في المحافظة الذي قتل تشرين الأول 2013.

حفلات القتل الجماعي استمرت عدة أيام وشملت أغلب الأحياء التي دخلها الحرس الجمهوري وخصوصًا حي القصور، وتمت تصفية العديد من وجوه المجتمع المدني الديري، ومنهم الروائي إبراهيم الخريط الذي قتل مع ولديه بإطلاق الرصاص عليهم بشكل مباشر، إلى جانب أطفال ومسنين، كالطفل عبد الرحمن حنتوش وعمره ثلاث سنوات، والطفلة شامة حنتوش، والشهيدة محسنة جمعة العملي وعمرها 60 عامًا.

الغائبون الحاضرون

من غير الواقعي أن نصف مكانًا ونحن بعيدون عنه، لكن أم سامر، وهي معلمة سكنت حي الجورة لأكثر من عشرين عامًا، تقول «قلوبنا تبصر بشكل أوضح ونحن بعيدون عن المكان الذي نحب، نتذكر التفاصيل شكل الأبواب، هندسة النوافذ، ألوان الطلاء وغبار الشوارع».

وتضيف أن ابنها سامر، وهو في العاشرة من عمره، كان معتادًا على الخروج كل يوم من بيته يشاهد دوريات الجيش وحواجز الميليشيات المنتشرة، يشير الطفل بأصابعه الصغيرة واصفًا مشاهد العربات المصفحة ودوريات الأمن والأسلحة المنتشرة ثم يقترب بسبابته من فمه مطبقًا شفتيه، وموحيًا بضرورة السكوت خشية أن يسمعه أحد فيشي به.

غادرت عائلة سامر الحي بعد أن سمحت قوات النظام لبعض العوائل بالخروج من الحي المحاصر منذ مطلع العام الجاري، بعد أن أنهكهم الجوع وهدّ قواهم الخوف والتعب، وتعقب أم سامر «هناك نحن محاصرون بالخوف بالسلاح بالغلاء بالغرباء بالجيش وبالميليشيات، ومحاصرون بالجوع وبنقص الأدوية».

وفي حضرة ذكرى المجزرة يلتزم الوالد المتعب الصمت، وهو يحاول أن يتلمس طريقًا لإعالة أسرته بعد فقدان وظيفته ومرتبه الشهري بخروجه من الحي، إذ أصدرت السلطات قرارًا يقضي بفصل كل من يغادر ويتغيب عن عمله.

سجن كبير

صفاء، مدرسة في إحدى مدارس الحي، رفض الحاكم العسكري أن يعطيها تصريحًا بالخروج منه، رغم تقديمها للطلب أكثر من ثلاث مرات، «حاولت بكل الوسائل وأمنت العديد من الوساطات وعرضت دفع ما أستطيع عليه من مال، لكن ذلك لم يكن كافيًا لإقناعهم بالسماح لي بالخروج»، كاشفةً أن الأذونات تمنح لأصحاب الواسطات الثقيلة ومن يدفع مبالغ مالية كبيرة تصل إلى 300 ألف ليرة سورية.

وكان مكتب اللواء محمد خضور أصدر قرارًا عسكريًا، مطلع أيلول الجاري، نص على عدم السماح لأي فرد كان بالخروج من الحي، وبحسب ناشطي الجورة فالنظام يستغل المدنيين متخذًا منهم درعًا بشريًا ومستخدما جوعهم وحياتهم كوسيلة ضغط على المجتمع المحلي والدولي.

وتقول شهيرة، إحدى نساء الحي، «لو سمح النظام بخروجنا لما بقي أحد»، بينما يخشى بعض الأهالي من معاملة تنظيم الدولة لهم، حيث يتعرض من يخرج لتفتيش من قبل عناصره وتحقيق معه، إضافة إلى سيل من الشتائم والتقريع يلقيها المهاجرون على مسامع الأهالي.

وتضيف شهيرة «تعودنا على سماع الخطب حيثما نتوجه من النظام ومن التنظيم ومن الهيئات الإغاثية؛ إننا نسمع ونلقي في مياه الفرات».

الخوف يسيطر على المحاصرين

خوفٌ عَظُم مع اشتداد المعارك وارتفاع وتيرتها والتحضيرات غير المسبوقة التي يجريها التنظيم في محيط المدينة «المتعبة»، على حد تعبير أحد الناشطين، الذي يصف الناس داخل الأحياء بـ «المُستهلَكين حتى العظم، فبعد 9 أشهر من الحصار والقصف تساوى الموت والحياة».

قرابة 250 ألف مدني محاصر في الجورة وهرابش والقصور والبغيلية، يترقبون مصيرهم مع كل مرة تشتد فيها المعارك، ويدب الرعب في قلوب أولئك الذين لا يجدون سبيلًا للخروج من هذه الأحياء، كما تقول ريم، التي توفي زوجها قبل سنتين، وتضيف «أنا موظفة هنا وفي حال خروجي سيتم قطع راتبي، من أين أعيش ومن يعيل أطفالي الخمسة؟».

من هذا الحي خرجت المظاهرات متحدية أفرع الأمن المجاورة، ومنه كانت شرارة المقاومة الأولى لدخول أي غريب إلى دير الزور، كما قدم مئات المعتقلين لا يزال الكثير منهم مجهولي المصير بينما سلمت أوراق آخرين إلى ذويهم بعد أن قضوا تحت التعذيب.

وبعد ثلاث سنوات على «الثلاثاء الأسود» يتخوف الأهالي من مجزرة جديدة، على يد تنظيم «الدولة الإسلامية» هذه المرة، إذ يفتي شرعيو التنظيم بتكفير السكان الخاضعين لسطيرة النظام وقتل كل ذكر بالغ تجاوز 14 عامًا، على غرار ما حصل في قرى الشعيطات التي اقتحمها التنظيم في «غزوة فشرد بهم من خلفهم» وراح ضحيتها أكثر من 1000 مدني من أبنائها.

تابعنا على تويتر


Top