بوتين وسياسة “كش ملك” في سوريا

حذامِ زهور عدي 

مقالات كثيرة ذكرت وحللت مسألة الغزو الروسي لسوريا، منها ما خمَّن الأسباب ومنها ما وصف الوقائع، بينما رسمت أخرى أهداف بوتين وكأنها لوحة سوريالية تختلط الألوان فيها والمشاهد حتى يعكس متأملها ما بداخله أكثر من انعكاس ما في عقل صاحبها ونفسه.

تاريخ انهيار الاتحاد السوفييتي

لنعد قليلًا إلى الوراء ونتذكر دخول السوفييت إلى أفغانستان عام 1979، والذي كان انتصارًا للانقلاب الماركسي بعد الإطاحة بالسلطة اليمينية واستعادة نفوذه.

في ذلك الوقت كان الحزب الشيوعي السوري (وأظن الأحزاب الشيوعية الأخرى) يردد مبررًا الدخول الروسي ومبتهجًا به “إنها ضربة معلم، فقد كان الأمريكيون يريدون الدخول إلى أفغانستان بعد أن أسقطوا الحكومة الماركسية وأعادوا البلاد إلى النفوذ الرأسمالي الإمبريالي، فسبقهم السوفييت وقطعوا الطريق عليهم، وقالوا لهم: كش ملك”.

لكن الأمريكيين بتأمين مساعدة فعالة للشعب الأفغاني المعارض استطاعوا إخراج السوفييت بعد عشرة أعوام من دخولهم، وقد أجمع المحللون السياسيون حينئذٍ أن السنوات العشر تلك كانت أحد الأسباب المهمة لانهيار الاتحاد السوفييتي.

تجربة الروس في براغ

لم يكن ذلك الدخول هو الأول للسوفييت فعندما تتوقف السياسة عندهم -وما أكثر ما تتوقف- يجدون مخرجهم باستعمال القوة العسكرية الجاهزة، وهذا ما فعلوه في براغ عاصمة تشيكوسلوفاكيا عام 1968، إذ استنفروا دباباتهم وقوتهم العسكرية الضاربة لقمع ما سُمي بربيع براغ، بعد محاولة دوبتشيك التمرد والتملص من التبعية للسوفييت وكان رمزًا وصوتًا لإرادة جمهور بلاده.

وخوفًا من الفظاعات التي يمكن أن تنتج عن مقاومة يائسة للقوة السوفييتية طُلب من الشعب البقاء في المنازل وعدم الخروج والمقاومة، ولم تتحرر تشيكوسلوفاكيا منهم إلا بعد أن سقط الاتحاد السوفييتي وانفصل التشيك عن السلوفاك.

سياسة بوتين في أوكرانيا

في الوقت الأفغاني كان بوتين تخرج من كلية الحقوق في ليننغراد، وكان شديد الحماس لنظرية الحرب الاستباقية وضربات المعلمين فعمل مباشرة في جهاز الأمن (ك ج ب)، ويبدو أنه اليوم لا يزال يؤمن مع من حوله بتلك النظرية مطبقًا إياها على كل مايعتقد أنه المجال الحيوي لأمن روسيا القيصرية، واعتمادًا عليها أنزل جيشه داخل جزيرة القرم عندما بدأت الاضطرابات في أوكرانيا وأعلن تبعيتها له. وكان جده ستالين (بالحكم فقط) قد هجّر أهلها المسلمين وجعل نسبتهم لاتزيد عن 18% بعد أن كانوا 80% وجلب روسًا بدلًا منهم، كما استولى عليها بعد تلفيق تهمة التعاون مع هتلر في الحرب العالمية الثانية.

يتابع بوتين طريقه في محاولات مماثلة لفصل الإقليم الشمالي الشرقي لأوكرانيا عنها باعتبار أن معظم سكانه من الروس، وهو في عمله هذا يؤمن تمامًا أن تلك الاستراتيجية هي أفضل طريق لفرض المصلحة الروسية وتأمين المجال الحيوي لأمنها القومي، وفي حساباته أن لا أوباما ولا أوروبا في وارد المجابهة العسكرية، وأن جلّ ما سيفعلونه هو مقاطعة اقتصادية يُمكن الالتفاف على كثير منها بالترافق مع ضجيج إعلامي.

نظرية “كش ملك” في سوريا

إن استحضار المفاصل التاريخية السابقة للسياسة السوفييتية يلقي الضوء على ما يحدث الآن في سوريا، فبوتين يطبق اليوم فيها نظرية “كش ملك” التي ورثها عن آبائه السوفييت باعتباره الوريث الشرعي لهم، لكن في وجه من يريد بوتين أن يرفعها في سوريا هذه المرة، وبالتنسيق مع من؟

لم نفاجأ بالدخول الروسي فهو مطروح منذ السنوات الأولى للثورة، والمتابع يعلم أن روسًا -وإن كانوا قلة- قتلوا في المواجهات مع الثوار، وأن بعضهم أسر لكنهم تكتموا على الأمر وأسرعوا بفك الأسير منهم.

ولا يزال المتابع الموضوعي يذكر تصريح الدبلوماسية الروسية عام 2012، بأنهم مستعدون لإنزال جيوشهم دفاعًا عن الأسد تمامًا كإيران.

ولعل موقف الأسد الذي رفض الحل السلمي أوائل الثورة عندما نصحه به ثلة ممن يحيطون به، له علاقة بذلك الدعم، فقد رد على المقرب منهم قائلًا “عندي ضوء أخضر وتقديم أي تنازلات لن تكون مضمونة النتائج” أو بما معناه. كان ذلك الضوء من إيران وروسيا، اللتين أقنعتاه بأنهما سيحميانه وأن العالم الآخر سيصمت عن جرائمه، لكننا فوجئنا بالتوقيت أولًا وبالهجمة كمًا ونوعًا.

فبالنسبة للتوقيت كانت المعارضة السورية مسترخية للمشاورات والمؤتمرات التي جمعتها بروسيا، وكانت الإدارة الروسية توحي لها بأنها ليست متمسكة بشخص الأسد، كما حاولت الظهور بمظهر الحياد لتكون وسيلة حل يرضي الطرفين.

فكرة التحضير لجنيف-3 غالبة عليها، وأما الإعلان الصريح عن التدخل وبهذه الكيفية فقد جعل “البنتاغون يواجه حالة قلق متفاقمة حيال استعادة روسيا دورها المحوري في سوريا” (عن صحيفة ديلي بيست، ترجمة نور مارتيني، أورينت)، بالرغم من الموقف البارد لأوباما والذي يفسر وفق المثل الشعبي “الولد اللي مو من ضهرك كل ما جن افرحلو”. بالطبع هذا لايعني أن روسيا ليست تحت المراقبة أو أن أمريكا غير عالمة بالأمر.

هل ستكون سورياجزيرة قرم أخرى؟

إذن التأكيد على أن سوريا هي منطقة نفوذ روسيا وأن بوتين لن يسمح أبدًا بخسارتها لصالح كل من تركيا والسعودية، حلفاء أمريكا اللتان كانتا تعدان العدة لدخولها، كما أنها ليست ورقة مساومة، إذ تقع في مركز المجال الحيوي للأمن القومي الروسي.

قد يكون رئيسها ورقة مساومة مستقبلًا، لكن غيره الآن لن يعطي الروس ما يطمحون إليه من مواقع من أجل أمنهم القومي.

لقد رسمت أقدام جنودهم في دمشق وحمص وحماة والغاب والساحل السوري مناطق ما يعتقدون أنها مجالهم الحيوي، وفرضوا حصتهم من الكعكة السورية مبعدين أيدي الآخرين عنها، ومعاهدين نتنياهو على أن شريط القلمون الذي تركوه لحزب الله لن يصيبه بسوء، وأن الإرهابيين لن يصلوا إلى الجولان فوجودهم ضمانة حمايته وليس العكس.

إسرائيل لا تريد أكثر من إبعاد التنافس الإيراني عن رأسها، وبحماية دولة كبرى، أما موضوع داعش والإرهاب فهو طرفة يضحك منها بوتين نفسه مع أن أوباما سيتظاهر بجديتها لتوريط الروس ليس أكثر.

لأمريكا المترددة في منافسة روسيا على سوريا، وللغرب الذي غدر ببوتين في ليبيا وأوكرانيا، وللمصلحة الإسرائيلية التي تقضي بعدم استفراد إيران بسوريا، ولرياح تقاسم النفوذ وتفصيل سوريا الجديدة المفيدة لجميعهم، وللشعب السوري أيضًا؛ رفع بوتين اللافتة القديمة الجديدة “كش ملك”، فهل ستكون سوريا مستنقعًا أفغانيًا جديدًا أم ستكون، بعد تهجير نصف شعبها، جزيرة قرم أخرى؟

تابعنا على تويتر


Top