ثقافة الاستنساخ .. ماذا أصاب السوريين؟

.jpg

حنين النقري – عنب بلدي

لعلّه من الطبيعيّ أن تشعر بتشابه محيّر في ملامح وصفات شعب لا تنتمي إليه عندما تتأمله، فيصعب عليك تمييز أحدهم عن الآخر، لكن أن تشعر بتشابه «وشبه تطابق» في خيارات وملامح ومهن وهوايات شعب تنتمي إليه فهذا أمرٌ آخر، ولعلنا نخشى القول بأنه نتاج سياسة «ثقافة القطيع» التي انتهجتها أنظمتنا الحاكمة طيلة عقود ماضية.

لن يدور الحديث هنا عن تشابه ملامح النساء، وهو ما بات معلمًا مفروغًا منه في ظلّ ثقافة تُعمّم وتعولم معايير الجمال، ليتحوّل كلّ من حولنا إلى نسخ متشابهة بالألوان والأحجام والأشكال مع كل صيحة وصرعة، وعلى الرغم من أن هذا يحمل بين طياته مؤشرًا على سطحيّة واضحة، إلا أن أنواعًا أخرى من «الاستنساخ» والتشابه أَحرى بالحديث، فهي تحدث دون شعور أو قرار، وترسم السمات المحددة لشعب كامل.

لنأخذ عينة السوريين في تركيا كنموذج أوّل، حيث سيجد المتأمل في حالهم انحصار إقامتهم في مناطق مُحدّدة يسهل عدّها على أصابع اليد الواحدة، إذ تحوّل الأمر لنماذج ثابتة ما على القاصد الجديد سوى اختيار أحدها وتطويع نفسه بها، دون دراسةٍ للمكان الأنسب لكل فردٍ على حدة بما يتناسب مع ظروفه وإمكاناته واحتياجاته، فإما أن تختار الشمال أو الجنوب، والشمال يعني اسطنبول -والجزء الأوروبي منها تحديدًا-، بينما يعني الجنوب ثلاث أو أربع مدن أخرى، فماذا عن المحافظات الثمانين الأخرى بأريافها وضواحيها المخدّمة والرخيصة؟ ما بالها؟ والجواب: لم يقصدها أحدٌ قبلي فلمَ أفعل ذلك أنا؟

والناظر لأعمال السوريين في تركيا، يجد أنها تكاد تنحصر في فئة محدودة من الخيارات، أشهرها المطاعم، الشقق المفروشة، وأعمال الإغاثة والإعلام. تمشي اليوم في اسطنبول لتتفاجأ بعدد المطاعم السورية والتي تقدّم نفس الوجبات وبنفس الأسعار، يفصل بين مطعم الفلافل ومطعم الفلافل المجاور له: بسطة فلافل.

لنأخذ عيّنة ثالثة أكثر تعميمًا، متسائلين عن المهارات والمواهب التي يستعرضها الناس في صفحاتهم على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، ولن يكون الوضع مُفاجئًا مع انحصار الإجابات بثلاثة أو أربعة خيارات لا غير. على سبيل المثال ستجد بأن مراهقي شعب بأكمله باتوا محترفي تصوير فوتوغرافي بفضل الموبايلات الذكية والتي تقدم العديد من الفلاتر والتقنيات المعوّضة عن المهارة اليدوية والفنيّة؛ ترى أحدهم يصوّر زهرة على شباك غرفته ليكتب تحتها تعليقًا: بعدستي، ويمهرها بدمغة تحفظ له حقوق النشر، ويكتب في المعلومات المعرّفة عنه بأنه «فوتوغرافر».

اختيارات الجامعات والتخصصات أيضًا تقولب بشكل مماثل، التخصص السائد اليوم، الفرع الأكثر طلبًا في الساحة، تقديم طلبات على منح مفتوحة تحدّد لك التخصص والمدينة التي ستدرس فيها وتأخذ عنك القرار بالمهنة التي ستعمل بها بقية حياتك، وكفى الله الناس شرّ الاختلاف.

عندما نقول بأن المُستبد يحكم مجتمعًا بعد تطبيعه بثقافة القطيع، فهذا يعني بأنّ تفاصيل حياتنا، وقراراتنا الكبيرة تُحدّد بآلية اجتماعية بحتة، كما يحصل الآن مع موجات الهجرة نحو القارة الأوروبيّة.

لم ستهاجر؟ لأنهم جميعًا يهاجرون. لمَ تريد الخروج من تركيا؟ يقولون إن الحكومة ستطردنا قريبًا وإن تركيا مقبرة السوريين، لمَ أنت متّجه لألمانيا؟ يقولون إنها البلد الأفضل للاجئين السوريين، هل ستتعلم اللغة الألمانية؟ نعم فالجميع يتعلمونها، هل حاولت تعلّم اللغة التركية؟ لا لأنها صعبة.

لقد قرأنا كثيرًا عن الكتّاب اللامعين، المهندسين الكبار والأطباء الماهرين وغيرهم، ووجدنا بأنّ جزءًا مُهمًا من حياتهم قضوه في إحدى الدول الأوروبية، حيث تعلّموا واكتسبوا خبرتهم تلك، لكننا لا نجد ذات التميّز والخبرة في موجات المهاجرين من أيّ بلدٍ كان تجاه أي بلد، ما السبب؟ الفارق بأن الأول تحرّك بناء على قرارٍ فرديّ تُحدده مصالحه وخياراته الواعية، بينما تتحرّك موجات المهاجرين اعتمادًا على محض ميكانزم اجتماعية.

عندما يحاول أحدهم أن يشذّ عن السرب، ويتّخذ قراراته بنفسه ستجد أن «الجميع» بصوتهم الواحد يستنكرون فعله ويحاولون ثنيه عن قراره، لعلّه يذكرهم بأنّه كان بوسعهم أن يكونوا شيئًا آخر؟ وأن الاختلاف والتفرّد قد يكونان مرادفين للتميز والإبداع واستكشاف فرص لم تظهر لأحد؟

تحدثنا اليوم عن ثقافة الاستنساخ والقطيع، لكننا سنستعرض قصصًا قادها الاختلاف والبحث عن الخيار الفردي نحو النجاح وتحقيق الذات، في العدد القادم.

تابعنا على تويتر


Top