زيارة المريض.. طقوس مفرّغة من مضامينها

-المرضى.jpg

بيلسان عمر – دمشق

لا تزر المريض إسقاط واجب، الذين يفعلون ذلك غالبًا ما تخرج كلماتهم ومواساتهم للمريض كالنفايات الزائدة، زره بكل أمل، بكل رحمة ومودة، زره لتجد الله عنده.

فإذا مرض فمن حقه عليك أن تعوده، عده دون أن تنسى آداب الزيارة خارج باب غرفته، عده واختر وقتًا مناسبًا لذلك، غاضًّا بصرك، مظهرًا جلّ اهتمامك به، باشًّا وجهك في محياه، زارعًا الأمل له بشفاء لا يغادر سقمًا، واقفًا –لو اضطررت- جانب المريض، لا جالسًا على سريره، شمّته إن عطس، والتزم بتوصيات طبيبه، لا بآرائك واجتهاداتك الشخصية.

تكاد تفاصيل الحرب لا تغادر غرفة المريض هذه الأيام، إن أطفأ الأهل التلفاز والمذياع خوفًا عليه من صدمة تزيد ألمه، يأتي الزوار وفي جعبتهم ما غُيّب عنه، بل وأكثر، يحملون همومهم كلها معهم، فالسيدة أم سامر (50 عامًا) تحول زيارتها لصديقتها المريضة إلى ندوة حوار سياسي، «والله فوتونا بحرب ما لنا فيها، كلنا أهل، صار الشاطر بدو يقتل التاني”، “حتى بمرات بياخدوا ولادنا ليقتلوا ناس ما بيعرفوهم، من عمرنا نحسن ضيافة الغريب، هلق قبل ما نلمح ظله منرفع السلاح بوجهه، والله مو هيك كنا».

وعند مريض يفقد عافيته شيئًا فشيئًا، يحلو للبعض أن يتذكر كل ما فقده، حتى أصغر حجر في بيته، وكل ما تركه قبل تهجيره، متناسيًا أن المريض يفقد أغلى من كل أموال الدنيا التي لم تعد تعنيه شيئًا مقابل تماثله للشفاء، بل ويذكّرون المريض نفسه بما ملك سابقًا، وكيف ذهبت أمواله هباء منثورًا، ظنًا منهم أنهم يشاطرونه أيامًا سابقة يحبها، غير مدركين لعظيم ما يزيدونه من ألم عليه.

بينما يجاهد آخرون أنفسهم في استذكار كل لحظة ألم مروا بها، على مبدأ «اللي بشوف مصيبة غيره بتهون عليه مصيبته»، غير ملتفتين إلى مشاعره، إذ كثيرًا ما تكون المصيبة أن لا مصيبة لديهم أوردوها في حديثهم، لا أكثر من تضخيم حادث مر بهم، وانتهى، فالسيدة أم حاتم تحاول جاهدة أن تخفف آلام أختها المصابة بتشمع في الكبد، «الحمد لله فترة وبتمر ع خير، ما بتتذكري لما عملت استئصال لوزات لابنتي، وغير ربك ما كان عارف أنو ممكن تطلع سالمة من العملية، والحمد لله شوفة عينك، متل الحصان هلق”، في مقارنة غير منطقية بين عملية اللوزات، وتشمع الكبد.

زيارة المريض حتى عبر الشاشات

لم تعد زيارة المريض بالأمر اليسير في ظل الحرب اليوم، فالطريق للمريض طويل، بل قد يضطر الزائر إلى شد الرحال لها، في طريق محفوف بالمخاطر، ومليء بالحواجز الأمنية، كما ويسلّي الأهل عن أنفسهم آلام الغربة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، يتبادلون الدعاء لذويهم المرضى، حتى الشعور بالمعافاة مرتبط بأشخاص بعينهم، واستحضار الفرح لا يكون إلا بمشاطرتهم تلك اللحظات، ليأتي التهجير والسفر خارج البلاد ألمًا يعتصر قلوبهم، ولا حل سوى وسائل التواصل، عسى أن تقرب هذه الشاشات البعيد، وتحيي ما أماتته الحرب من مشاعر.

ويكتفي البعض بأن يترك للمريض أو لأقربائه رسائل عبر الفيس بوك، والماسنجر، والواتساب، ويستبدل لهفته لرؤيته معافىً بوجوه ضاحكة مبتسمة، وبعبارات جاهزة منمقة، تكفي حتى هم العناء في التفكير بعبارة يكتبها، بل ويستهجن المرسل على ذوي المريض المنشغلين بأمور علاجه إن تأخروا في الرد على رسالته، ويتبادل آخرون زيارة المريض كنوع من «إسقاط الواجب» لا أكثر، في حين يحلم آخرون بزيارات حقيقية، يتبادلون فيها جل الأماني بالشفاء التام العاجل، ويقربون القلوب القاسية من بعضها.

كل واحد منا طبيب

استدعت حالة السيدة أم هاني أن توضع في غرفة عزل، فمناعة جسمها شبه معدومة، ويخاف طبيبها أن تصاب بإنتان ما، ولكن نظرًا لعدم توفر مثل هذه الغرفة، بقيت في غرفة مرضى عادية، مع أخرى غيرها، ليبدأ المصاب مع كل زائر، وأهل السيدة أم هاني يحاولون إقناعه بتعليمات الطبيب، لكن عبثًا يحاولون، فـ “كل منا طبيب”، وأدرى بعدم جدوى هكذا تعليمات طبية، تمر الزائرة الأولى لتلقي السلام على المريضة، وتقبلها، وعند خروجها تهمس في أذن صديقتها «قال الدكتور لا تبوسيها، خلص سلمي عليها من بعيد»، تنهي الأولى رسم قبلاتها الحارة، ومع كل قبلة يكاد تنفس المريضة يتوقف، وتعظ الأخرى، وهكذا، وكأنهن في مراسم فرض عليهن تأديتها دونما إغفال أي حركة، وواحدة تنتزع لها الكمامة بحجة أن لا داعي لها، طالما أن هناك حركة للهواء في الغرفة، وأخرى تلعب بعيارات جهاز التنفس، رافعة إياها درجة، وثالثة مستحلفة المريضة بأغلى ما تملك أن تأكل مما جلبته لها من طعام، «لا تصدقيهم الدكاترة ما بيتاخد على حكيهم، ليش في أنفع من الأكل للمريض!».

وبين هذا وذاك يأتي من يصف الدواء للمريض، ويقنعه بعدم جدوى ما فعل من طرق للعلاج، وآخر كل همه إجراء تحقيق مع ذوي المريض، عن عدد المرافقين، وطرق عنايتهم بالمريض، ومن يقوم على خدمتها؟ أهلها أم أهل زوجها؟ ومن ينام عنده، بل ومن ينام أولًا، وكم مرة يخرج بها المريض إلى الحمّام، وهل يأكل، وماذا يأكل، بل وماذا أحضرتم للزوار من ضيافة، فإكرام الضيف واجب، ممازحًا ليلطف الجو للمريض، معتبرًا كل واحد منهم نفسه الوصي على أولاد المريض.

ولابد للذاكرة أن تستحضر صور أولئك الذين لن ولم يتمكنوا من زيارة أبنائهم المرضى، بل سمعوا نبأ استشهادهم، خلف القضبان، أو في مناطق الحصار، فدفنهم الأهل في قلوبهم، وصارت حياتهم مقبرة تدفن فيها أحلامهم بلحظات احتضان أبنائهم بعودتهم سالمين، وباتت أكفهم شاهدة على ما اقترف الطغاة بحق أبنائهم.

وعلى الضفة الأخرى يطرق البعض أبواب بيوت المرضى، كما يطرقون أبواب بيوتهم، في حرب أهلكت الأخضر واليابس، علّ قفر وجدانية البعض تينع إنسانية ورحمة.

تابعنا على تويتر


Top