الاستثمار الإعلامي الأمني في مآسي اللاجئين السوريين

فيكتوريوس بيان شمس

أثار التسجيل الذي ظهرت فيه الإعلامية المصرية ريهام سعيد في أحد مخيمات اللاجئين السوريين في لبنان، وهي توزّع المساعدات العينية في شاحنة، ردود أفعال غاضبة مستنكرة في الأوساط السورية والمصرية على حد سواء، حيث حرص مُعدّ المشهد على أن يظهر العلم المصري في الخلفية، وهي تعطي الدروس والمواعظ «للشعوب التي ضيعت نفسها بالفتنة» على حد تعبيرها، وبمرافقة موسيقى تصويرية مؤثّرة.

حاولت الإعلامية العاملة في قناة «النهار»، أو الجهة التي أرسلتها (سيّان)، إيصال أكثر من رسالة، ليس للسوريين الذين يدعم النظام المصري نظام الأسد الذي شرّدهم فحسب، بل أولًا وقبل كل شيء، للشعب المصري المحكوم من نظام مأزوم، يواجه، ويعيش بشكل دائم هاجس خطر الإطاحة به.

يعاني النظام المصري من أزمة ثقة من قبل داعميه الخليجيين، وهم الذين اضطروا لمواجهة المد الإيراني على حدودهم الجنوبية في اليمن عسكريًا بعد أن أصبح الخطر داهمًا، فيما يعمل النظام المصري بحسب محمد حسنين هيكل، الذي يوصف بأنّه «مهندس انقلاب السيسي على حكم الإخوان المسلمين في العام 2013»، وفق تصريح له لجريدة «السفير» اللبنانية في عددها الصادر في 21 تموز الفائت، على التقارب والانفتاح على إيران. وهو المتعاون مع «إسرائيل» ضد القضية الفلسطينية بشكل غير مسبوق، فاق في جرأته من سبقوه (السادات ومبارك).

مشاكل كثيرة يواجهها النظام المصري، تبدأ بالفساد المستشري ولا تنتهي بالتضييق على الحريات العامّة، وبحملات القمع والاعتقالات والاغتيالات لخصومه السياسيين، ليس فقط الإسلاميين منهم، بل وحتى اليساريين الذين تجرّأوا على الوقوف في وجهه، حيث دماء الشهيدة شيماء الصبّاغ لم تجفّ بعد. إضافة للتضييق على الحرّيات الصحفية منها بشكل خاص، إلى أن وصلت الأمور، ليس فقط لاعتقال الصحفيين بشكل تعسفي، بل وحرمان بعضهم من جنسيتهم المصرية كشرط للإفراج عنهم، مع إجبارهم على التعهد بمغادرة الأراضي المصرية فور الإفراج عنهم.

على المقلب الآخر، تعرّض السوريون والفلسطينيون في مصر بعد انقلاب السيسي للكثير من المضايقات الأمنية التي لعب فيها الإعلام المصري دورًا محوريًا، بتوجيه من أجهزة المخابرات التي رعت عمليات البلطجة والاعتداء على السوريين والفلسطينيين في مصالحهم وبيوتهم، ناهيك عن التضييق عليهم بكل السبل والوسائل، والتي تبدأ بعدم منحهم الإقامات، وقد لا تنتهي بتسليم بعضهم لأجهزة أمن النظام السوري، إضافة لعمليات الإتجار بهم في سياق تسهيل عمليات اللجوء إلى أوروبا عن طريق عصابات مافياوية مرتبطة بأجهزة المخابرات السورية والمصرية بشكل مباشر. وصلت الأمور لدرجة أن يحرّض ويهدّد بعض الإعلاميين، المقيمين السوريين والفلسطينيين في مصر على الهواء مباشرة، كتوفيق عكاشة وأحمد موسى ويوسف الحسيني ولميس الحديدي وعمرو أديب، وغيرهم. إلا أن ذلك جاء في أجواء من الانحطاط الإعلامي غير المسبوق في تاريخ مصر، والتي وصلت ببعض الإعلاميين، أن برّروا عمليات الاغتصاب التي يقوم بها عناصر الأمن في أقسام الشرطة ، في إطار دفاعهم عن النظام الانقلابي الجديد (أماني الخياط نموذجًا)، على أساس أن «هذه أمور طبيعية، وهي تحدث في مجتمعات كبيرة كالمجتمع المصري الذي فاق تعداد سكّانه التسعين مليونًا»!.

أصوات قليلة تجرّأت على الوقوف مع المستهدَفين، يُذكر في هذا المجال الإعلامي القدير يسري فودة الذي أبى الصمت، ليخرج بحلقتين متتاليتين، معتذرًا للشعبين السوري والفلسطيني على امتهان كرامتهم، والتعرّض لنسائهم وأعراضهم، وكل ما قيل بحقهم.

بالعودة إلى التسجيل الذي تظهر فيه ريهام السعيد واعظة، كانت عبارة «أنا عاوزة ارجع مصر» بطريقة فنّية تراجيدية، عبارة ملفتة، وكأنّها تريد الهروب من هذه الأجواء المتوحشة التي اكتشفتها في مخيمات السوريين في لبنان، إلى واحة الأمان والطمأنينة تحت حكم عسكر مصر.

لاختصار الكثير من الشرح، يمكن إيراد ثلاث معلومات هامّة ذات صلة:

-1 قضت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة المصري في عام 2010 برفع الحد الأدنى للأجور لـ 1200 جنيه، ما يعادل 150 دولارًا. وهو ما لم يُنفّذ إلى اليوم.

-2 بحسب «الجهاز المركزي للإحصاء» في تقرير له عام 2011، نسبة المصريين تحت خط الفقر 26,3%.

-3 نسبة الأميّة بحسب تقرير «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» 26,1% بإجمالي 16,5 مليون لعام 2011.

والجهاز المذكور أعلاه، هو هيئة حكومية، ما يعني أن التشكيك بأرقامه أمر مشروع، لا بل واجب، وضروري.

ناهيك عن أن واحدة من أعلى نسب السرطان والكبد والقلب على مستوى العالم، هي في مصر. هذا إن لم يُستَدرك في التاريخ القريب، حيث دار جدل واسع بين علماء الأزهر بعد الاختلاف في العام 2008 على تصنيف من يقتلون على أفران الخبز تحت خانة “شهيد».

هل هذه هي مصر التي تود الإعلامية المصرية العودة إليها؟ أم إلى مصر الكانتونات الطبقية الفاحشة، والمحمية من الجيش والمخابرات، والتي لا يعرفها أغلب أبناء الشعب المصري؟

يمكن للمرء أن يتوسع بالحديث عن أوضاع اللاجئين السوريين في لبنان تحديدًا، الذين زارتهم ريهام سعيد للاستثمار الدعائي المخابراتي بمأساتهم، حيث هنالك بالفعل ما يُبرّر بؤسهم في محيط أغلب القوى الفاعلة فيه، معادية لهم ولقضيتهم، في حين أدار العالم كلّه ظهره لهم بطريقة لا أخلاقية، كان من أصغر نتائجها على سبيل المثال لا الحصر، توقّف أكثر من 60 ألف تلميذ عن الدراسة بسبب شح الموارد.

إذًا، أخطأت الإعلامية المصرية طريقها، كان الأولى بها أن تعود بشاحنتها المحمّلة بالمساعدات إلى الداخل المصري وليس إلى لبنان.

إلى ذلك يمكن القول، إن بعض الارتكابات الإعلامية اللا أخلاقية هنا وهناك، كحادثة الصحفية الهنغارية التي اعتدت على اللاجئين السوريين قبل فترة، وقد فضحتها كل وسائل الإعلام العالمية، حوادث تنم عن كره شخصي في أغلبها، لكنها في حالة الإعلام المصري مختلفة تمامًا، أي أنّها حملة عامّة، مخطّطة ومنظّمة، وهي بالإضافة إلى ذلك، ربّما من المنطقي أن يتمتّع الإعلامي الذي سيلعب هذا الدور فيها، بكره شخصي لا محدود للبنية الاجتماعية التي سيستهدفها.

تابعنا على تويتر


Top