حرب صليبية؟

أحمد الشامي

وصفت الكنيسة الأورثوذوكسية الروسية الغزو الروسي على أنه «حرب مقدسة». قبلها، في عام 2003 وصف الرئيس اﻷمريكي «بوش الصغير» حربه على المسلمين كحرب «صليبية».

زعران الولي الفقيه أتوا تحت رايات «ثارات الحسين» و «كي لا تسبى زينب مرتين!».

إن كانت»داعش» مجموعة من المهووسين، فماذا عن بطريرك «روسيا وسائر المشرق»؟ ماذا عن «بوتين»، الذي وصفه «ماكين» بالسفاح والبلطجي؟ ماذا عن «بوش الصغير» واليمين المتطرف؟!

لا نستطيع أن نتهم «داعش» بالتخلف والسلفية والتحجر، ونعتبر أعداءها كالبطريرك و «بوتين» و «الولي الفقيه» في غاية التحضر.

«داعش» وأمثالها من المتطرفين السنة لا يختلفون عن أعدائهم من حيث المرجعية الفكرية. ينطلق الاثنان من مبدأ أن الآخر هو شر مطلق، وهدفهم ليس «توعية» الآخر ولا «هدايته»، ناهيك عن التعايش معه وعن قبول الاختلاف. ما يطلبه هؤلاء هو إبادة الآخر لمجرد أنه مختلف باللون أوالديانة. بكلمة أخرى «داعش» مثل «بوتين» و «الولي الفقيه» واﻷسد، فهم جميعًا وجوه لذات البربرية ونقيض اﻹنسانية والحضارة البشرية.

هذا من حيث المنطلق الفكري والخطاب، لكن الممارسة قد تختلف أحيانًا عن الخطاب لدى أعداء «داعش» في حين تبقى هذه اﻷخيرة وفية «لبربريتها» وللدور المطلوب منها كبعبع.

مثلًا، رغم خطابه «الصليبي» لم يجرؤ «بوش الصغير» على قصف مكة والمدينة بالقنابل النووية كما اقترح عليه مستشاروه عشية الحادي عشر من أيلول 2001، ولا هو قام ببناء معسكرات اعتقال جماعية للمسلمين اﻷمريكيين كما حصل مع اليابانيين خلال الحرب الثانية. صحيح أن الرجل مسؤول عن قتل الآلاف من العراقيين، لكن ممارسات جيش الاحتلال اﻷمريكي في العراق تبدو «ملائكية» مقارنة بما يفعله الروس وجيش الاحتلال اﻷسدي في سوريا.

اﻹيرانيون أقرب إلى «الدعشنة» من غيرهم، فالولي الفقيه والبغدادي وأشباههما ينهلون من ذات النبع المتحجر ولا يختلفون سوى في التقنيات والتفاصيل.

ماذا عن «بلطجي موسكو»؟ هل الرجل يؤمن حقًا بأن حربه ضد السنة هي حملة صليبية أورثوذوكسية؟

«بوتين» قاتل وكريه لكنه ليس معتوهًا، فهو لا يريد أن يفضح مبرراته الحقيقية لغزو سوريا أمام شعبه، لذلك يلقي للروس «بعظمة» الحرب المقدسة لكي يستفز مشاعرهم الدينية ويلهيهم عن واقعهم البائس واقتصادهم المنهار ثم يلهب مشاعرهم «بفيديو كليب» عن صواريخ عابرة للقارات تضرب أكواخًا.

«بوتين» لديه أسباب كثيرة لغزو سوريا، ليس بينها الدين، ولا حتى الدفاع عن نظام اﻷسد، فهذا اﻷخير لا يتعرض ﻷي تهديد جدي، و «أعداء» النظام قبل «أصدقائه» يريدون الحفاظ عليه كما هو مع بعض الماكياج لا أكثر.

«بوتين» دخل إلى سوريا وعينه على شراكة استراتيجية مع «أوباما» بعدما أدرك نافذة الفرص التي تتيحها له «الصعلكة» الأوبامية.

الدخول الروسي إلى سوريا يهدف إلى إضعاف «تركيا» وعزلها عن محيطها، وعرقلة أحلام «أردوغان» في إعادة العظمة إلى بلاده. المشروع الأردوغاني وإسلامه الديمقراطي والمؤسساتي هو نقيض نظام المافيا الحاكم في روسيا وفي الجمهوريات السوفييتية السابقة، وخاصة اﻹسلامية، التي قد تنبهر بالنموذج التركي وتخرج من عباءة عصابات «بوتين» وزبانيته الحاكمين في  تلك الدويلات.

هذا يفسر الهجمة الروسية الهمجية على حلفاء تركيا وأصدقائها حصرًا، لوضع «أردوغان» بين فكي كماشة، وعزل اﻷتراك ليس فقط عن أصدقائهم في سوريا بل عن حلفائهم اﻷطلسيين أيضًا.

الرد اﻷطلسي الفاتر على التهديدات التي تواجهها تركيا هو بيضة القبان في الغزو الروسي. اﻷتراك قد يجدون أنفسهم معزولين حتى داخل التحالف اﻷطلسي المكون من دول كلها مسيحية باستثنائهم.

إن نجح بلطجي موسكو في المساواة بين داعش والمسلمين وتركيا وعزل هذه اﻷخيرة، وقتها تصبح الحرب فعلًا صليبية.

الرد على هذا السؤال موجود في «بروكسل».

تابعنا على تويتر


Top