أهالي دير الزور: حتى النزوح ليس ميسرًا لنا

“من يترك دولة الإسلام بلا عقيدة”

-دير-الزور.jpg

سيرين عبد النور – دير الزور

متنقلين من مكان إلى آخر، باحثين عن قليل من الأمان وكسرة الخبز التي تكفيهم ذل السؤال، يتنقل أهالي مدينة ديرالزور وريفها القريب بين غربات الحياة، بعد أن خرجوا من بيوتهم، حاملين ما خف من ثيابهم

باب وثلاثة مفاتيح.

«يحتفظ بعض النازحين بمفاتيح بيوتهم على أمل العودة اليها في يوم ما، أو ليكون ذكرى لبيت كانوا يعيشون فيه، أما أنا فأحمل ثلاثة مفاتيح»، بهذه الكلمات تصف سمية رحلة نزوحها، «تركنا حي الجبيلة على عجل مذعورين بعد أن أمطره النظام بمئات قذائف المدفعية والهاون، مرتدين ثياب المنزل، وقد كان كثيرون منا حفاة، بعد دخول حملة الحرس الجمهوري في أيلول الأسود من 2012».

في رحلة من التنقل، استقرت بها وأطفالها في أحد الأحياء الفقيرة من مدينة دير الزور (طب الجورة)، تحملت سمية جميع الظروف الاقتصادية والأمنية السيئة لأكثر من عامين، اضطرت إلى الخروج بعدها من الحي بسبب الحصار والجوع، الذي أنهك أطفالها، لتسكن قرية الحسينية في غرفة صغيرة سقفها من التوتياء، لكنها كانت تستر عليها مع أطفالها، على حد تعبيرها، قبل أن ينذرهم عناصر تنظيم «الدولة الإسلامية» بوجوب مغادرة المكان، لأنه يدخل ضمن المنطقة العسكرية التي فرضها التنظيم في محيط مدينة ديرالزور استعدادًا لعملية عسكرية محتملة في المنطقة.

اليوم تسكن سمية مع أطفالها في دكان صغير لا يكاد يتجاوز الثلاثة أمتار، في إحدى قرى الريف الشرقي باجرة قدرها عشرة آلاف ليرة سورية.

عتبات الانتظار

نقص المال يجدد في كثير من الحالات وجهة النزوح، فالعوائل المقتدرة ماديًا تنزح إلى المدن أو إلى تركيا، بينما لا تجد العوائل المتعسرة أمامها سوى التنقل بين القرى، بحثًا عن محسن أو مكان يأويهم، فقد طرد تنظيم الدولة العديد من النازحين الذين كانوا يقيمون في الدوائر العامة والمدارس.

الباحث طه العبيد يرى من هذا النزوح وجهًا أخر، وهو الثقل الاقتصادي الذي يلقي به وصول الآلاف من العوائل الجديدة إلى منطقة ما، وحيث يعاني أغلبهم من العوز المادي ويحتاجون إلى طعام وثياب ومسكن، فإنهم يشكلون ضغطًا ومنافسة في مجال اليد العاملة، في وقت تضيق فيه مجالات العمل في مناطق سيطرة التنظيم.

لكن وبحسب بعض عناصر التنظيم فإن الجميع يحاول أن يساعد النازحين وييسر لهم معيشتهم، لكن الجميع يجب أن يدركوا مخاطر العمل العسكري، فالتنظيم يعتبر أن «من يترك دولة الإسلام يعاني من خلل في العقيدة والإيمان، وإلا لكان عليه تقبل التضحية بكل شيء، من أجل سيادة دولة الخلافة وتمددها».

عينان تبحثان عن أمل

لم يكن يعلم أبو محمد أن غيابه عن بيته سيطول «كل ما تمنيت حمله هو بعض الصور القديمة ومسبحة كانت لأبي».

الرجل، الذي ترك بيته منذ أربع سنوات واستقر في قرية البوكمال القريبة من الحدود العراقية، يرى أن أغلب النازحين اليوم يتوجهون إلى تركيا، ومعظمهم يبيع كل شيء ليسافر إلى أوروبا، ويفرق أبو محمد بين نوعين من النزوح، أحدهما «اختياري» تسببت به ظروف الحياة القاسية، والآخر «قسري» فرضته الأعمال العسكرية والقوانين المشددة التي فرضها التنظيم.

لاتوجد إحصائية دقيقة عن أعداد النازحين في دير الزور، لكن المدينة التي كان عدد السكان فيها يناهز الـ 600 ألف، لم يعد اليوم فيها سوى أقل من 200 ألف، موزعين بين الأحياء التي يسيطر عليها التنظيم والأحياء الواقعة تحت سيطرة النظام، أي أن أكثر من ثلثي السكان نزحوا من المدينة، وتوجه أغلبهم إلى المدن والقرى داخل سوريا، بينما قرر آخرون السفر إلى خارج الحدود محاولين بناء حياة جديدة.

لا نهاية قريبة تلوح في الأفق للعمليات العسكرية في مدينة ديرالزور، حيث تتعرض أغلب الأحياء لقصف مستمر ومتبادل بين كل من النظام والتنظيم، «فيما يبدو أنه اتفاق بين الطرفين لتهجير المدنيين والاستيلاء على بيوتهم»، بحسب أبو حسين، من قرية الخريطة في الريف الغربي (شامية)، وهي الضفة التي تقع عليها مناطق سيطرة النظام، والمجاورة للقرى التي يسيطر عليها  التنظيم.

حيث تصبح الحاجات الإنسانية في المرتبة الثانية، بعد العمل العسكري وضروراته، يرى الأهالي الذين أخرجوا من ديارهم الأمر من زاوية مختلفة، فيها الكثير من الخراب والدمار والنزوح وتشريد عشرات الألاف من الاطفال والنساء، كما أشار لنا الكثير من النازحين، قائلين «حتى الهروب ليس ميسرًا لنا في بعض الحالات».

تابعنا على تويتر


Top