شباب داريا يقاتلون بقرآنهم نحو نهضة اجتماعية متكاملة

-دارا.jpg

عنب بلدي – داريا

مع بداية الحملة العسكرية على داريا نزح مع أهلها غالبية مشايخ المدينة وحفاظ القرآن، ولم يبقَ إلا القليل منهم، ومع اشتداد وتيرة المعارك غابت مظاهر تعليم القرآن، بسبب انشغال الشباب بالدفاع عن المدينة، وتعرض مساجدها للقصف.

بعد أشهر على المعركة، التي بدأت في تشرين الثاني 2012، عاد نشاط الشباب في المدينة واستغلوا أوقات فراغهم، مع انقطاع التيار الكهربائي وتوقف أعمالهم، بتعليم القرآن وحفظه، فتخرج في رمضان الماضي الشاب أيهم أبو أمجد، وهو طبيب الأسنان في المشفى الميداني، كأول حافظ للقرآن الكريم ومجازٍ بسند متصل إلى النبي (ص)، كما حصل محمد دباس (الملقب بأبي عبادة) على إجازة أيضًا مطلع تشرين الأول الجاري وهو ابن العشرين عامًا فقط.

وتعرف المدينة قبل الثورة السورية بمعاهدها الشرعية واهتمام مشايخها بتعليم القرآن الكريم، وكانت المساجد تستقبل مئات الطلاب رغم تشديد أجهزة الأمن على المدرسين وتتبع نشاطاتهم، لتخرج سنويًا عشرات من حفاظ كتاب الله والمجازين في قراءاته.

ثلاثة مجازين فقط والطلبة يتسابقون

يقول الدكتور أيهم لعنب بلدي «تربينا منذ نعومة أظفارنا على حب القرآن الكريم وحفظه، والحمد لله استطعت حفظه كاملًا قبل ثلاث سنوات، ولكن لم أحصل على الإجازة نظرًا لبدء المعركة وانشغالنا بالعمل الثوري فاضطررت للانقطاع قرابة عامٍ ونصف».

وحين هدأت جبهات المدينة نسبيًا، عاد أيهم لحفظ القرآن ومدارسة ما نسيه مع رفاقه، حتى حصل على الإجازة على يد الأستاذ ماهر أبو نذير، ويتابع «واجهتنا الكثير من الصعوبات بسبب الوضع الأمني الذي تعيشه المدينة واضطررنا للتوقف أحيانًا بسبب القصف واشتداد المعارك».

ويشير الطبيب إلى أنه مع بداية الحملة لم يبقَ سوى ثلاثة مجازين في القرآن الكريم، وهو ما دفع عددًا من شباب المدينة الحافظين لقسمٍ من القرآن للاجتهاد والتسابق في الحفظ ونيل الإجازة».

“ثورة وعلم”

محمد دباس، الذي يقاتل منذ بدء الحملة مع كتائب الجيش الحر، يبدي فرحتة الكبيرة بحصوله على ما وصفه بـ «الشرف العظيم»، ويقول إن ما دفعه لحفظ القرآن منذ الصغر هو حث والديه على الالتزام بالمساجد والحفظ، مضيفًا «كانا يقولان دومًا إنهما يريدان رؤيتي إمامًا للحرم، فكبرت مع حب القرآن والالتزام بتعاليمه».

ويعتبر دباس أن «الأمة الإسلامية ازدهرت وحققت أعظم الفتوحات عندما كان منهجها القرآن الكريم، واليوم بعودتنا له لا شك أن الله سيؤتينا فهمًا وعلمًا لا يؤتيان لغيرنا ويفتح علينا، فننهض بالأمة ونجدد بالدين بإذن الله».

«استغلال أوقات الفراغ هو السبب الرئيسي في النجاح»، يضيف أبو عبادة، موضحًا «لن ندع العمل الثوري يأخذ كل حياتنا، بل يجب أن يكون أخذ العلوم مرتبطًا بالعمل الثوري حتى نحقق جميع أهدافها».

وتشهد جبهات القتال في أغلب الأوقات ملازمة المقاتلين للمصحف وتذاكر آياته فيما بينهم، أثناء انتظارهم بدء المعارك أو عند رصدهم لعناصر النظام على الجهة المقابلة. ويعتبر المقاتلون أن ذلك يعطيهم قوةً وثباتًا أثناء القتال، كما أنه «جزءٌ من أسرار النصر».

شباب داريا و “البذرة الطيبة”

الأستاذ المجاز في القرآن أبو نذير، والذي يشغل حاليًا أمين سر المجلس المحلي، يقول إن «البذرة الطيبة لدى شباب المدينة والتربية الصالحة من أهم الاسباب التي دفعتهم إلى حفظ القرآن، فلم يحتاجوا إلا القليل من التوجيه وشحذ الهمم»، ويضيف «في الفترة الأخيرة توافد الكثير من شباب المدينة على حفظ القرآن وأخذ العلوم الشرعية والدنيوية وهذه إشارةإالى النهضة التي تشهدها المدينة على كافة الأصعدة الفكرية والعلمية».

ويؤكد أبو نذير أن «للتربية القرآنية وتعلم أحكامه دور أساسي في بناء مجتمع بعيد عن التطرف، وخصوصًا في المرحلة الحرجة التي تمر بها سوريا وانتشار السلاح في كل مكان».

ازداد التشديد الأمني على مساجد داريا بداية الثورة السورية، وأصبح طلاب المساجد من بين أكثر الناس عرضة للاعتقال، لا سيما أنهم كانوا ينشطون في تنظيم المظاهرات السلمية، لكن ذلك لم يمنعهم من إكمال ما بدأوه قبل الثورة، وتشهد المدينة اليوم عددًا من الفعاليات التي تحاول إحياء دروس العلم الكوني والشرعي بهدف نهضة اجتماعية متكاملة على غرار مركز الشام الإسلامي، وحركة فجر الأمة الإسلامية.

وكانت الكتيبة الموحدة في لواء شهداء الإسلام نظمت أول مسابقة لحفظ القرآن في المدينة، مطلع أيار الماضي، في مبادرة هي الأولى من نوعها منذ بدء المعارك، وشارك آنذاك أكثر من 40 متسابقًا.

تابعنا على تويتر


Top