المعدن النفيس للحمصيين

241.jpg

    أمير – حُمص

حمص التي أصبحت مضرب المثل بحجم الدمار والتخريب وعدد السكان المهجّرين، هي نفسها التي يظهر من بعض أبنائها إرادة وصمود وتحدٍ الشيءُ المذهل. فكثيرًا مانسمع المحللين العسكريين هذه الأيام وهم يتحدثون عن المعارك القادمة في دمشق وحجم الدمار الذي سيلحق بها، فنراهم يضربون المثل بأحياء جورة الشياح والقرابيص والقصور بحمص، وكيف سكت العالم على تدميرها وحرقها. أو نراهم يفسرّون إمكانية استخدام النظام الأسدي للسلاح الكيميائي مترافقًا بصمت المجتمع الدولي، كما صمت على تدمير أحياء حمص الواحد تلو الآخر، على حد وصف بعض هؤلاء المحللين.

إذًا فالكلام عن حجم الدمار لاداعي له، لكن ماحال أهالي هذه الأحياء؟! ترى ماذا يفعلون هذه الأيام؟! أين هم؟!

لاشك أن البعض من الحمصيين وجدوا أنفسهم أمام خيار الهجرة خارج سوريا، لكن الكثير منهم لم يستطع أن ينهي ارتباطه بمدينته التي وُلِد وكَبُر وعاش من خيراتها.

ولكن، أين الأسواق وأين المحال والمكاتب التجارية؟! أين الأسواق الحرفية؟ أين المكاتب الهندسية والعيادات الطبية؟! كل ذلك أصبح منسيًا في حمص، وبالتالي، فكيف للحمصيين أن يعملوا أو أن يعزّزوا من آمال هذه المدينة في الحياة!؟

هناك حكمة تقول أن معادن الرجال تظهر عند المحن، وأي محنة أكثر قسوة وصعوبة من المحنة التي تعيشها حمص بل وتعيشها سوريا هذه الأيام. ألم يحظَ الحمصيون بتقد ير كافة المدن السورية لوقوفهم الأسطوري في أولى أشهر الثورة السورية؟ لوقوفهم بوجه آلة عسكرية متوحشة ورصاص مسكوب بالحقد. وقف الحمصيون أشهرًا طويلة وحيدين في ساحة المواجهة، طوال مايقرب من السنة الكاملة، وفرضوا الإحترام والتقدير لخروجهم في المظاهرات والاعتصامات يوميًا.

لكن المحنة التي نتجت عن الحملة العسكرية والتي بدأت بالحملة على باباعمرو في الشهر الأول من سنة 2012 ولم تنته حتى الآن، كانت محنة قاسية جدًا، حرمت مئات ألوف الحمصيين من بيوتهم ومحالهم التجارية، فهل تمتّع الحمصيون بالليونة الكافية والقدرة على تخطي هذه المحنة؟!

لقد كسر الحمصيون غياب الأسواق بخلق أسواق جديدة في الأحياء التي هُجّروا إليها، فتجد أسواقًا جديدة من صفيح المعدن منتشرة في كل من أحياء الوعر والحمراء والإنشاءات. أسواق تكاد لا ترقى لمستوى الأسواق التاريخية الموجودة في حمص القديمة، أو الأسواق الحرفية المنتشرة في وسط مدينة حمص المدمرة. أسواقٌ ليست سوى تجمّع للأكشاك المعروفة في سوريا، وهي عبارة عن محال بسيطة بحجم صغير لايتجاوز مساحتها تسعة أمتار مربعة، مصنوعة من صفائح المعدن التي لاتقي برد الشتاء ولا حرّ الصيف، تلتصق هذه الأكشاك بجانب بعضها البعض لتُشكّل مايشبه الأسواق.

يقول عنصر أمن من المتمركزين على أحد الحواجز التي تخنق ماتبقى من حمص، مخاطبًا شابًا حمصيًا: «لقد كان الحمصيون مختبئين في ثيابهم.. من أين كل هذه الأموال التي خرجت منكم وأنشأتم تلك الأسواق؟!». وهذا يدل على مسعى النظام لقتل مدينة حمص وتهجير أهلها وإفقارهم، فإذا بأهل حمص يفاجئونه من جديد بتحديهم لهذا المسعى.

أيّ أموال يتخيلها هذا النظام وأزلامه؟! ألم يسرقوا كل ماطالته أيديهم؟! إن هؤلاء الحمصيين الذين يعملون بهذه المحلات يكدحون لتأمين لقمة العيش أولًا، وأجرة هذه الأكشاك ثانيًا، فلم يعد لديهم أموال ينفقونها ولابد من العمل لتحصيل بعضها. أي أموال… وأصحاب محال تجارية ومعارض كبيرة كانت في وسط مدينة حمص وهم اليوم يعملون في كشك صغير يحفظ لهم ماء وجههم ويكفيهم السؤال؟! أي حال وموقف يمكن أن نتصوره لأصحاب المهن التجارية والأموال الوفيرة وهم يعملون في أكشاك يفترض أن يعمل بها فقط من لامهنة له. ألايحزن هؤلاء التجار لما آلت إليه حالهم… ولسان حالهم يقول «العمل مو عيب .. بأي شكل كان».

نعم… يبدو أن الحمصيين يقاومون مخطط النظام لقتل المدينة وإفقار أهلها، لكن السؤال أيضًا ما مصير أسواق حمص الأثرية؟! ما مصير المحال والمكاتب التي بذل فيها الحمصيون عرق الجبين حتى رأوها تصبح أسواقًا، ثم ليجعل النظام منها أسواق أشباح لايملأ رفوفها إلا الرماد؟!

إن الزائر لأسواق الثورة الجديدة ليلاحظ غياب البسمة على وجوه الحمصيين، والذين عُرفوا بالضحكة والروح المرحة، وحبهم للنكات والنهفات. كما أنه يلاحظ الحزن والهمّ يفيض من عيونهم، فيرى كل بائع شارد البال وكأنه تائه لا يعرف أيّ مصير ينتظره وينتظر مدينته.

إن التاريخ سيذكر في صفحاته المعدن النفيس لأهالي حمص، هذا المعدن الأصيل والذي ظهر في هذه المحنة القاسية التي تعيشها حمص. وسيذكر التاريخ كيف أن للحمصيين إرادة للحياة والتحدي لاتكسرها أعتى الآلات العسكرية والأنظمة الدموية.. سيذكر كيف أنّ الحمصيين حملوا أحزانهم وآلامهم في قلوبهم ومضوا في ركب الثورة حتّى نهايته… سيذكر كيف ضحوا بالأرواح والأموال لمستقبل أفضل للأجيال التي ستقرأ هذا التاريخ.

تابعنا على تويتر


Top