مسعفو الثورة… بين أداء الواجب وحقد النظام

232.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 43 – الأحد – 16-12-2012

«من أرشيف الثورة»

هنا الحلبي – حلب

حازم بطيخ – باسل أصلان – مصعب برد… أسماء هي الأشهر في حلب. تكاد لا تفارق ذاكرةَ أي ثائر حلبي مأساةُ قتلهم تحت التعذيب وحرقهم…

يومُ تشييعهم هو من الأيام الفارقة في الثورة في حلب. هؤلاء الشباب الثلاثة كانوا يمثّلون الفريق الطبي الأشهر في حلب. كانت تنزل أرقام موبايلاتهم في معظم صفحات التنسيقيات ليتم الاتصال بهم في حال تعرض أحدهم لإصابة ما. طبعًا لم يكن هذا عملهم فقط، وإنما كانوا يعملون في كافة أعمال الإغاثة الطبية والغذائية. وينقلون معهم في السيارة المعونات الطبية، وهكذا حتى تم اعتقالهم في ظروف غامضة عند الساعة الواحدة والنصف ليلًا وهم عائدون إلى منزل أحدهم في منطقة الحمدانية. قيل أنهم اُعتقِلوا عند حاجز «طيار»…. ولكن من يعرفهم يُشكك في هذه الرواية، فهم لا يسلكون طريقًا إلا بعد كشفه مسبقًا مما يجعل احتمال نصب كمينٍ لهم هو الأرجح.

كلما كان الثائر أنبلَ في خصاله، وأسمى في أخلاقه وأقرب إلى الملاك منه إلى البشر، كان المطلوب والملاحق الأهم والأخطر لدى النظام. فحقد النظام الأعمى لا يجعله يتقبل أن هؤلاء الملائكة البشر قد تحدوا إرادته، فهو بنظر نفسه «الرب الأعلى»، ولقد صدر حكمه على الشعب الذي انتفض ضده، بأن يسومَه سوء العذاب. يعتقلُ وينكلُ ويقتل ويشرد ويهجر… فمن هؤلاء ليتمردوا على حكمه  ويكونوا هم المسعفين والمطببين لآلام الناس وآهاتهم، والسباقين لإغاثة المتضرر وإعانة المنكوب؟؟

يوم السبت الساعة العاشرة صباحًا استلمت مخابرة من صديقي ظاهر، ليقول لي: «باسل في الطبابة الشرعية… ونحن هنا للتعرف على جثته… ولكن للأسف يصعب علينا التعرف عليه لأن الجثة متفحمة»!!!

صُعقت من الخبر، وشعرت بأنني لم أعد قادرة على التنفس…. لقد أحرقوه، فكيف له أن يتحدى وحشيتهم بإنسانيته وشهامته؟

ركبت سيارتي وكان معي كمية كبيرة من الأدوية. كان هناك موعد مسبق بيني وبين عمرو لأسلمه هذه الأدوية، ولكن بعد سماعي لهذا الخبر كلمت عمرو واقترحت عليه أن نؤجل موعدنا، فاليوم حركة سيارات الأمن ليست أبدًا بالطبيعية، وهناك استنفار أمني غير مسبوق. ولكنه طمأنني وقال لا تقلقي فسنقوم أنا وصديقي بكشف الطريق قبل استلام السيارة منك. كنت أبكي وأبكي وأنا أقود سيارتي، فقط لتخيلي ما هو شعور حازم ومصعب الآن… وهما يعلمان مصير صديقهما، إن لم يكن قد أحرق أمام أعينهما. وفي هذه اللحظات جاءني اتصال آخر من ظاهر، ليُخبرني أن باسل ليس الوحيد الذي مات حرقًا!! بل الثلاثة تم حرقهم وجثثهم متفحمة!!

«ما هذا الحقد؟ ما هذا الإجرام؟ أي صنف من البشر أنتم يا حثالة البشر، إن صح اعتباركم بشرًا. تطلقون سراح المجرمين ليكونوا شبيحة لرئيسكم، وتعتقلون أرقى وأكثر الناس إنسانية وطهارة لتصبوا عليهم جام غلكم وحقدكم».

لا أدري ماذا فعل بي هذا الخبر؟ شعورُ تحدٍ مخيف انتابني «يا مجرمين… والله لن تقتلوا فينا إلا الخوف، والله لو دفعت حياتي وكل ما أملك ثمنًا لن أتوقف لحظة عن الثورة ضدكم».

وصل عمرو هو وصديقه ليستلما مني السيارة ويقوداها إلى مستودع الأدوية… ألححت عليهما مرارًا أن يتركا السيارة في مكانها ليومٍ آخر، فوضعُ سيارات الأمن اليوم مريب… لكنهما أصرّا على أخذها، فقلت لهما دعوني آخذ سيارة تاكسي وأسير أمامكما لأكشف الطريق، فلم يستجيبا وأصرّا على أنهما قد كشفا الطريق مسبقًا. ما هذه الشجاعة.. ألا يشعران بالخوف وخاصة اليوم وقد أُحرق للتو ثلاثة شباب بسبب نقل الأدوية؟؟

أسرعت إلى جامع آمنة مكان التشييع، هذا الجامع ذو الرمزية الكبيرة لدينا في حلب. أصوات التكبير كانت تهز الحي هزًا. الأعداد هائلة لا توصف، من يقف بأول الشارع لا يرى نهاية الناس في آخره من كثرة الأعداد. والناس تصرخ بأعلى صوتها «حرية للأبد… غصبًا عنك يا أسد»، «عالجنة رايحين شهداء بالملايين». لو اعتقدتم أيها المجرمون بأنكم ستخيفوننا بوحشيتكم، لما كانت استمرت الثورة لتصل إلى حلب، وتعم كل سوريا… كانت لتخمد منذ اندلاعها في درعا .

استغربت أين الأمن، وكيف تركونا نشيع بدون مقاومة، حتى أن صلاة الجنازة قد صلاها أحد المشيعين جهرًا ومن مذياع الجامع، وهذا أمر لم يحدث في حلب من قبل، حتى أنه دعا على الملأ للشهداء وصرنا نؤمّن خلفه… شعور عشناه للمرة الأولى في حلب وبهذه الطريقة العلنية. سرنا لمدة نصف ساعة قبل أن يبدأ عناصر الأمن بإطلاق النار علينا. طبعًا انفض الجمع بالركض والاختباء في مداخل البيوت، وسقط حينها أيضًا شهداء جدد.

«لو كنتم تعلمون يا حثالة البشر ماذا قدمتم لهؤلاء الأبطال الثلاثة من نعيم الجنة… ولو عرفتم أنهم باتوا في أعلى عليين بإذن الله مع الشهداء والصديقين والله لما فعلتموها، لكن «من غلكم وحقدكم». لو عرفتم مكانكم في قاع جهنم أسفل السافلين مع قوم فرعون، والله لما تجرأتم على فعلها، ولما تحقق قوله تعالى: {يمدهم في طغيانهم يعمهون}

هذه هي الثورة السورية، استمرارها ناتج عن عقيدة طالما أقلقتكم يا أعداء الله، وأقلقت كل دول العالم. عقيدة الجهاد التي تقول إما النصر أو الشهادة. فإن انتصرنا كسبنا، وإن اُعتقلنا فلنا ثواب أعظم درجات الجهاد، وإن قُتلنا فلم نخسر… بل على العكس حصلنا على أعلى درجات الجنة باذن الله. هذه هي عقيدة الجهاد التي كتبت لثورتنا أن تستمر، وهي التي أقلقت إسرائيل وأعظم قوى العالم مما حملها جميعًا على محاربة ثورتنا، فهكذا عقيدة وحدها من تهدد بهز عرش إسرائيل»

عدت إلى منزلي وفتحت درجي وأخذت قصاصة الورقة الصغيرة، نظرت إليها نظرة المودع. فهي مكتوبة بخط يد باسل رحمه الله. فيها أسماء بعض أنواع الأدوية التي كان من المفترض أن أحضرها له. وكنت قد أجلتُ الموضوع عندما اعتقل، في انتظار فك أسره. هذه الورقة اليوم أكبر دليل على تورطي بالإجرام، عقوبة من تقع في حوزته هي الحرق عند نظام المقاومة والممانعة. كم كنت أود الاحتفاظ بها كذكرى من باسل، ولكن الأسلم حاليًا هو التخلص منها.

مرت عدة أيام وجاء يوم الجمعة وهذا اليوم كالعادة مليء بالإصابات والجرحى. فتحت غرف السكايب لأرى من هو الفريق الطبي الجديد الذي ستنزل أسماؤه بدل هؤلاء الأبطال. كان يعتصر قلبي ألمٌ لا يوصف، ودموعي تنهال بغزارة وأنا أفتح السكايب. نظرت إلى الأسماء التي نزلت.. فكانت تسعة أسماء للطاقم الطبي الجديد. بعد ستة أيام فقط جاء تسعة أشخاص ليحلوا مكان هؤلاء الأبطال. ألا يخافون من الاعتقال؟ ألا يخافون من الحرق؟ ما هذا الشعب الجبار؟!!!

«هكذا هي ثورتنا، وهذا هو التطور الطبيعي لها، كلما زاد قمعكم وحشية كلما ازداد إصرارنا، وتضاعفت أعدادنا واتسعت رقعة مظاهراتنا. حتى باتت تعم كل شبر من سوريا العظيمة. شكرًا لكم فلقد أعطيتمونا فرصة ليظهر منا جوهر معدننا، وليمحص الله الذين آمنوا منا ويصطفي الشهداء، ولنسطر بطولات أوقفت العالم كله مذهولًا أمام عظمتها، ما كانت لتتاح لنا هذه البطولات لولا إجرامكم الذي أذهل العالم أيضًا وفاق بوحشيته كل الخيال».

تابعنا على تويتر


Top