إعادة إعمار سوريا – صعوبات وتحديات

202.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 43 – الأحد – 16-12-2012 

 

م. مي صوفان – منسق منظمة اعادة اعمار سوريا / خاص عنب بلدي

بدأت منظمة إعادة إعمار سوريا عملها بعدة فرق انطلقت في أغلب المحافظات، وقد وضعت خطة تقوم على توثيق المناطق المتضررة بأقصر وقت ممكن، حتى تتمكن فرق الدراسات من البدء بعملها وتجهيز ملفاتها حول إعادة الإعمار. ولكن هذا الأمر شكّل صدمة للكثيرين ممن رأوا فيها  فكرة غريبة جدًا وسابقة لأوانها بل ومستهجنة من قبل البعض. كان التساؤل كيف تفكرون بالإعمار قبل الخلاص؟!! وكيف يمكن أن تفكروا بترميم بيوتٍ أهلها بحاجة إلى طعام يسندهم، أو إلى رصاصة يدافعون بها عن أنفسهم؟ هكذا كانت الردود في أغلب المناطق إلا ما ندر.

لم يكن هناك وعي لأهمية خطوة كهذه، لاسيما مع وجود نظام مصرّ على أن يحرق سوريا قبل أن يسقط ويغادرها. ومن خلال دراسات قام بها فريق البحث التابع للمجموعة وُجد أن أحد الأخطاء الأساسية التي اُرتكبت في كوسوفو (لاسيما سربينيتشا) بعد انتهاء الحرب وعند المباشرة بإعادة الإعمار إنما كانت عدم توثيق الأضرار أثناء الحرب. إذ تم البدء بذلك بعد انتهاء العمليات العسكرية مما أدى إلى ضياع حقوق الناس وملكياتهم، كما أخّر أيضًا عملية التنمية البشرية التي ربما  كانت لتسير بوتيرة أسرع وجهود أقل فيما لو تم ذلك مسبقًا. فعندما يكون التوثيق جاهزًا للمناطق المتضررة، وتكون ملفاتها منجزة، عندها ستقدمها الحكومة الجديدة إلى الدول والجهات المانحة والمنظمات الدولية (كالبنك الدولي) وستكون في مقدم سلم أولوياتها، مما يسمح بالبدء الفوري بإعادة الإعمار. وهنا لابد من التأكيد على أن إعادة الإعمار لاتشمل الحجر فقط بل أنها تركز أيضًا على الثروة البشرية وإعادة تأهيلها. فالأموال التي (من المفترض والمتوقع) أن تأتي إلى البلد ستدفع بعجلة الاقتصاد بشكل أسرع، وستسهم بعودة الناس إلى أعمالهم وبخلق فرص عمل جديدة. كما أنها قد تشمل تعويض الناس عما خسروه أو تضرروا به في بيوتهم ومنشآتهم.

وقد كانت هذه إحدى التحديات الأساسية التي عملت المجموعة على العمل عليها والتصدي لها من خلال التوعية والاتصال المباشر مع الناشطين على الأرض، لاسيما من المهندسين، وإقناعهم بأهمية هذه الخطوة وضرورة البدء حالًا. وعُقدت اجتماعات دورية لمتابعة العمل معهم مما أدى إلى تقبلها شيئًا فشيئًا.

أما الصعوبة الأخرى التي واجهتها المجموعة فهي في تحرك الناشطين على الأرض، وتعرضهم للخطر أثناء القيام بمهامهم في المناطق المنكوبة، وخاصة أثناء تجوالهم بين المناطق. ففي قطنا اُستشهد مالك ياسين بعد أن وثّق عددًا من البيوت. ومؤخرًا استشهد إبراهيم زريقاني الذي لم يكن أحد يدرك الخدمات التي كان يقدمها -حتى في منظمة إعادة الإعمار لم يكن معروفًا بشكل شخصي لأنه كان يقدم نتائج أعماله عبر أحد أصدقائه- إلا بعد استشهاده.

ونود هنا أن نجدد الدعوة للسوريين بمد يد العون لمهندسينا ولفرقنا العاملة على الأرض، ومساعدتهم بكل ما يطلبونه من معلومات وتقديم التسهيلات لهم فعملهم أولًا وأخيرًا هو لله وللشعب وللوطن.

أما التحديات الأخرى فتكمن في إنجاز العمل -على الوضع الذي نتمناه لبلدنا هندسيًا- بحيث يواكب العصر والتطور الهائلين اللذين يعيشهما العالم وذلك مع مراعاة التكاليف التي يجب أن تحسب بدقة متناهية.

أما التحدي الأكبر الذي سنواجهه جميعًا في المرحلة المقبلة (حكومة وشعبًا من مهندسين وغيرهم) هو كيفية تأمين التمويل لإعادة إعمار سوريا دون تقديم تنازلات على حساب الشعب السوري من جهة، والتأكد  -من جهة أخرى- من أن هذا الأموال الممنوحة للشعب السوري لإعادة الإعمار لن تسرق ولن تصرف في مكان غير الذي خصصت له، وربما هذا هو التحدي الأصعب، استنادًا لتجارب سابقة (العراق مثلًا).

إن إعادة إعمار سوريا هي مسؤولية الجميع في سوريا ما بعد الأسد، حكومة وشعبًا ومهندسين واقتصاديين ورجال أعمال والمواطنين أنفسهم. فهذه العملية تحتاج لتضافر كافة الجهود ومن كافة الأطياف السياسية ومن كافة شرائح المجتمع ليكون الإنتاج مبهرًا ومرضيًا لله وللشعب والوطن.

تابعنا على تويتر


Top