التفكك الكبير

في سوريا 5 مناهج تعليم  و 3 ملايين طفل خارج المدارس

-أنقذوا-الأطفال.jpg

خاص – عنب بلدي

لم يذهب الطفل محمد، ابن دير الزور، إلى المدرسة منذ قدومه إلى تركيا نهاية العام 2013، وقد نزح مع أهله إلى الرقة هربًا من القصف وكانت أولى محطات عائلته في رحلة اللجوء، إلى أن استقر في تركيا بمدينة مرسين.

لا يقرأ ولا يكتب، يضحك ويدير وجهه للخلف حين نكلمه، ملامح الطفولة ترتسم على وجهه، الساعة العاشرة صباحًا في مثل اليوم يفترض أن يكون في المدرسة؛ يجب أن يكون في الثالث الابتدائي، لكنه لم يدخل صفوف التدريس أبدًا وهو الآن أمّي يتمنى أن يدخل المدرسة كغيره من أبناء جيله.

حال هذا الطفل تتشابه مع ملايين الأطفال السوريين ممن حرمتهم الحرب حقًا أساسيًا من حقوقهم وهو “التعليم”

تطالعنا آخر الأرقام والإحصائيات عن عدد الأطفال خارج المدارس بسبب الحرب منذ العام 2011 بحوالي 3 ملايين طفل، في حين تقدر وزارة التربية، التابعة للنظام، عددهم داخل سوريا بحوالي 1.5 مليون تلميذ تسربوا من المدارس.

كارثة الخسائر تزداد

تبدل كبير في وضع الخريطة التعليمية في سوريا بعد الحرب، فرغم إجماع الجهات المهتمة والمراقبة وعلى رأسها الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني، بحجم «الكارثة»، إلا أن بوادر نهاية هذه المأساة تبقى مجهولة أو مفتوحة طالما لا يوجد حد للنزاع الذي يترك أثرًا على الأطفال وذويهم ما يهدد مستقبلهم بشكل مباشر.

على صعيد الخسائر، يقول وزير التربية في حكومة النظام، هزوان الوز، لصحيفة الوطن المحلية، إن «قيمة الأضرار المباشرة وغير المباشرة التي لحقت بالقطاع التربوي خلال الأزمة بلغت نحو 170 مليار ليرة».

اليونيسيف بدورها، تقول في دراسة عن مدى تضرر سوريا والقطاع التعليمي فيها من الحرب، مطلع أيلول الماضي، وتؤكد أن سوريا خسرت 20% من مدارسها ويوجد فيها 2.6 مليون طفل خارج المدرسة، بينما ترك 20% من الهيئات التدريسية والمربين الاجتماعيين حقل التدريس والتفتوا للبحث عن الأمان في أماكن أخرى.

أطفال سوريا، وفق اليونيسيف، هم جزء من 21 مليون طفل في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خارج المدرسة أو مهددين بتركها، وعدد الأطفال واليافعين غير الملتحقين بالمدرسة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يصل إلى 3.12 مليون، إضافة لأكثر من 6 مليون آخرين معرضين لخطر ترك المدرسة.

وخلال السنوات الأربع الماضية طال قطاع التعليم في سوريا أضرارًا كبيرة، حيث أدت المعارك إلى تدمير المدارس وبات كثير من المعلمين يبحثون عن النجاة بأرواحهم عبر اللجوء لدول الجوار، أو البحث عن فرص جديدة في دول أخرى. كما أصبحت المدارس مراكز إيواء لعائلات شردتها المعارك، ما انعكس بشكل كبير على الطاقة الاستيعابية للمدارس والصفوف وأثر سلبًا على التلميذ لجهة الاستيعاب والفهم.

وتشير اليونيسيف إلى أن أزمة سوريا دفعت بقدرات الخدمات الاجتماعية الأساسية إلى نقطة الانهيار، حيث كان لها تأثير مدمر على 4.5 مليون طفل سوري.

نماذج التعليم بعدد أطراف الصراع

نتيجة تبدد سيطرة الحكومة المركزية، وخروج مساحات كبيرة ومراكز مدن ومحافظات عن السيطرة، وكذلك تعدد وتنوع القوى المسيطرة، بات كل طرف يفرض شروطه وطقوسه ومناهجه في مختلف مناحي الحياة، وعلى رأسها التعليم، حتى أصبح أطفال سوريا يتعلمون أكثر من 5 مناهج تتنوع بتعدد من يسيطر على الأرض (النظام، داعش، جبهة النصرة، مناهج الائتلاف، اليونيسيف خارج سوريا، مناهج عربية كليبيا)، لكلٍ منهاجه وأساليبه التعليمية، ومدرسوه.

السؤال هنا ماذا سيحصل بعد 10 سنوات فيما لو استمر الصراع. أي مستقبل ينتظر أطفالًا أخذوا في دولة واحدة 5 مناهج تعليمية؟

تقول الطالبة ميساء من ريف الحسكة «أعيش في تركيا مع أهلي وأدرس منهاجين، ليبي وسوري، وهناك صعوبات كبيرة تواجهني، حيث سأخضع لامتحانين». وتضيف «كل شيء تغيّر علي وهناك ضغط كبير يواجهني في الامتحان إذ يتم اختبارنا في كل المواد بيوم واحد».

المشكلة الكبيرة التي تنتظر سوريا كما يرى الخبراء والمتابعون، هي ولادة جيل أمّي قدره 3 ملايين شخص، ما يجعل مستقبل سوريا في خطر داهم لجهة ندره الكفاءات وغياب الخبرات بغياب التعليم عن هذا الجيل، خصوصًا وأن آلاف الكفاءات غادرت سوريا وفرغت البلد منهم، ما أحدث أزمة حقيقية في مجالات الطب والتعليم وتخصصات الإدارة والطيران وغيرها.

مخاطر العمالة والمستقبل المجهول

الأطفال الذين غادروا المدراس، سواء في سوريا أو دول الجوار، تركوها وتوجهوا لشغل أعمال أخرى، منهم من ذهب ليعيل أهله في عمل بورشة أو معمل، أو افترش الرصيف ليبيع ما يكفي عائلته بعد فقدان معيلها الأساسي.

منهم من شارك في الحرب وانتسب للأطراف المتصارعة وحمل السلاح للقتال بوسطي راتب 400 دولار أمريكي، وقد رصدت الأمم المتحدة 278 محاولة تجنيد أطفال لحمل السلاح خلال عام 2014، مؤكدةً أن 77% من هذه الحالات شاركت فعلًا بالقتال.

أطفال آخرون لا يعملون شيئًا سوى أنهم ينتظرون مع عائلاتهم في دول الجوار على أمل قريب بالعودة، كما أن كثيرًا منهم لا يريدون الذهاب للمدرسة لسبب بسيط «إن أهلي غير مهتمين لا يريدون تسجيلي في المدرسة»، كما يقول خالد، ابن مدينة دوما وصديق محمد، عندما التقيناهما وقد خرجا للتو من الحديقة التي تجاور منزلهما.

الثالوث القاتل

الحرب، والفقر، والبطالة، مشكلات كبيرة فاقمت مأساة أطفال سوريا ودفعت بهم للعمل في الوقت الذي كان يفترض أن يكونوا فيه على مقاعد الدراسة.

ولو نظرنا إلى داخل سوريا في مناطق سيطرة المعارضة والنظام لوجدنا الأمر سيان، حال ريف حلب الشمالي يشبه دمشق وطرطوس وغيرها من المدن، تتجول لترى أطفالًا يعملون في مهن شاقة متعبة وأكبر من سنهم، دفعتهم الظروف للقيام بذلك، ومنهم من أجبره أهله على العمل، وأصبحت المدرسة من الماضي.

وبينما لا توجد جهة تضبط عمالة الأطفال في مناطق المعارضة المتأزمة معيشيًا وأمنيًا بسبب القصف والمعارك، تغيب رقابة الشؤون الاجتماعية والعمل في مناطق النظام الهادئة نسبيًا.

خارج سوريا الوضع مشابه، بل يقسو أكثر في بعض الأحيان، نظرًا لتكاليف المعيشة المرتفعة والالتزامات الأكبر التي تترتب على العائلة السورية.

وهنا يؤكد المدير الإقليمي لمنظمة «أنقذوا الأطفال» في الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، روجر هيرن، أن «الأزمة السورية دفعت الملايين إلى الفقر ما جعل معدلات عمالة الأطفال تصل لمستويات خطيرة».

ووجد تقرير أنجزته اليونيسيف بالتعاون مع المنظمة، مطلع حزيران الفائت، أن «أربعة من بين كل خمسة أطفال سوريين يعانون الفقر في الأردن». وأن «الأطفال داخل سوريا يساهمون في دخل عائلاتهم في أكثر من ثلاثة أرباع العائلات، وفي الأردن يعتبر نصف أطفال اللاجئين السوريين المعيل الرئيسي في العائلة.

أما في لبنان، فوجد التقرير أطفالًا بعمر ست سنوات فقط، يعملون في بعض المناطق، فيما يعمل ثلاثة أرباع الأطفال السوريين في العراق لتأمين قوت عائلاتهم.

محمد، ميساء وخالد وغيرهم من أطفال سوريا الذين بددت الحرب أحلامهم وجعلت تحصيلهم العلمي على المحك يفكرون الآن بالمستقبل، هل سينجحون، وماذا عن شهاداتهم والاعتراف بها، هل سيدخلون الجامعات، وهل سيكملون تعليمهم… وفي مخيلتهم سؤال كبير يبدو أكبر من أعمارهم يأملون تحققه في أقرب وقت… «متى سنعود إلى سوريا؟.

 

تابعنا على تويتر


Top