تصفية المطلوبين وملاحقتهم واستثمار المحليين للانتقام

كيف تمكن تنظيم الدولة الإسلامية من بسط سيطرته على دير الزور؟

-الدولة-الإسلامية1.jpg

سيرين عبد النور – دير الزور

«كان عددٌ من المهاجرين السعوديين والآسيويين على الحاجز الضخم بجوار مسجد الحمزة في مدخل قرية حطلة، يحملون أوراقًا كتبت باللغتين العربية والإنكليزية وتتضمن أسماء المطلوبين لتنظيم الدولة الإسلامية»، يقول الناشط حسن، من أهالي دير الزور، واصفًا حالة الرعب قبل دخول التنظيم إلى المدينة في تموز 2014.

ويضيف الناشط «قلوب الأهالي تخفق بشدة عند المرور من الحاجز، مجرد عبوره كان ولادة جديدة»، مردفًا «كان التنظيم ذكيًا وعرف كيف يبسط سيطرته وكيف يقضي على كل مقاومة محتملة بنشر الرعب، تمكن ببراعة من اغتيال الثورة كما اغتال الدين والحياة».

لم يكن هناك الكثير من العقبات أمام دخول تنظيم «الدولة» إلى مدينة دير الزور باتفاق جزئي مع عدد من الفصائل المقاتلة داخل المدينة، بعد حصار دام حوالي الشهر قطع فيه التنظيم معظم الطرق الأساسية ومهد من خلاله لسيطرة مستقرة و طويلة الأمد.

ورغم أن أغلب الأهالي يكادون يجمعون على الخراب الواسع الذي حمله التنظيم لمدينة دير الزور في جميع نواحي الحياة التي انتهت بتهجير واسع للسكان، إلا أنهم يسلمون بنجاح التنظيم في قتل كل نواة محتملة للمقاومة.

قوائم المطلوبين

طه العبيد، الباحث في شؤون تنظيم الدولة، يقول إن التنظيم يجري مسحًا شاملًا للمدن والمناطق التي يرغب بالسيطرة عليها ويحدد مراكز القوة ونقاط المقاومة المحتملة والأشخاص المؤثرين ليقوم بتصفيتهم فيما بعد، معتبرًا ذلك «منهج مكن التنظيم من توطيد حكمه دون وجود مقاومة اقتصادية أو اجتماعية أو عسكرية تذكر».

«هي سياسة الأنظمة الشمولية التي تتولى تطبيقها النواة الأمنية الموجودة في التنظيم بغطاء شرعي»، وفق الباحث الذي أكد تنفيذها «بدقة متناهية وسرية شديدة».

العديد من كبار القادة في دير الزور تمت تصفيتهم على يد التنظيم، ومنهم من قتل علانية مثل أبي سراج الهيئة، أحد قادة لواء الأنصار، وصفوان الحنت، أمير جبهة النصرة، ومنهم من اغتيل بشكل غامض، كسلامة الطباش، قائد كتيبة عمر بن الخطاب، بينما اعتقل وقتل آخرون على غرار ياسر الكاطع (أبو عدي)، قائد كتيبة أسود التوحيد وأحد قادة تجمع أحفاد الرسول، الذي اعتقل قبل سنتين مع العشرات من عناصر الكتيبة دون أن يظهر لهم أي أثر بعدها.

وطالت تصفيات التنظيم عددًا من الناشطين والوجوه المدنية المعروفة في المدينة، وأبرزهم الدكتور رضوان السالم الذي تم اعتقاله منذ عدة أشهر ولايزال مصيره مجهولًا حتى اليوم.

«عرف التنظيم كيف يرهب الجميع معنويًا وماديًا وذلك باستخدام مختلف الوسائل القمعية كالقتل والصلب والاعتقال، ومن لم يبايع التنظيم من الفصائل اضطر للخروج من المدينة منفيًا إلى مناطق بعيدة»، كما يقول عمر أحد سكان حي الشيخ ياسين ومقاتل سابق في إحدى كتائب الجيش الحر.

ويرفض عمر دعاية التنظيم بأن هدف الاعتقالات عسكري أو حربي أو أمني، معللًا ذلك بقوله «هدف التنظيم هو الانتقام وتصفية الوجود وليس وسيلة لتحقيق مكسب ما مادي أو معنوي، والدليل رفضه أي مبادلة للأسرى المحليين أو فدائهم بالمال، رغم أنه قام بالعديد من الصفقات لفداء الأسرى مع الأكراد والأجانب».

فقد عمر أخوين في معتقلات التنظيم لكنه لا يزال يمتلك الأمل بحرية ممكنة بعد رحيل التنظيم «الكاذب»، على حد وصفه، موضحًا «فهو يدعي حماية العرب السنة ويعتمد عليهم في قاعدته الشعبية وخزانه البشري المقاتل، كما أنه يرى في هيكله الممثل الوحيد لهم والصوت العالي فيهم؛ لقد كتب علينا التنظيم إما أن ننتسب إلى صفوفه ونسلم بحكمه أو نكون أمواتًا و معتقلين أومشردين.. وكله موت».

يقاتلون مع الشيطان

رغم بقاء العديد من الوجوه المحلية المعرفة في دير الزور في الصفوف الأولى من قيادات التنظيم، أمثال عبد الله الثامر، وعلي الحنونة (أبو المعتصم)، ومصطفى روافد، ومحمد الحداوي)، إلا أنهم غير مؤثرين بشكل كبير على قرارات التنظيم.

يقول أبو علي، وهو قائد سابق في الجيش الحر، واصفًا العناصر الموجودين اليوم بين قيادات التنظيم، «من بقي من العناصر المحليين في التنظيم ابتعدوا عن الأفكار الوطنية، هؤلاء الأشخاص يعملون مع الشيطان للانتقام من المدينة وأهلها أكثر من كونهم ممثلين عنها، فهم يعاملون الأهالي بتطرف يفوق العناصر الآخرين في التنظيم في محاولة منهم لإثبات ولائهم لقادتهم العراقيين، متقربين من مراكز القيادة الداعشية عبر دماء أهلهم وأبناء جلدتهم».

مقاومة داخلية

وفيما أعاد تحرير الريف الشمالي لمدينة الرقة الأمل في نفوس عددٍ من الأهالي باقتراب «الفرج والخلاص»، يرى الكثير من المحلليين أن دور المنطقة الشرقية لم يحن بعد، وربما يتأخر فالأولوية هي اليوم لتحرير مدينة الرقة وريف الحسكة.

فيما يعول آخرون على انتفاضة داخلية تنطلق من الريف الشرقي، معلليين ذلك بتوافر أسبابها وضعف هياكل التنظيم في المنطقة عما كانت عليه في أوقات سابقة.

لكن رغم حالات الانشقاق عن التنظيم وفرار عشرات من العناصر إلا أنه لا يزال من المبكر الحديث عن حراك حقيقي أو انتفاضة في وجهه، وفق عددٍ من المصادر في مناطق سيطرته.

توزع مقاتلي دير الزور (أسود الشرقية) على المحافظات السورية المختلفة وابتعادهم عن محيط المحافظة يجعل من الصعب الحديث عن اجتماعهم من جديد لتحرير دير الزور سواء من قوات الأسد أو من عناصر التنظيم. وهذا أمر يواجه الكثير من الصعوبات، بحسب عبدالله أحد عناصر»أسود الشرقية»، فهو «يفرغ جبهات خارجية يرابط عليها هولاء العناصر في الوقت الحالي، كما أن صهر هذه المكونات أمر صعب بعد أن ابتعدت عن بعضها فكرًا وموقعًا، ولم تعد المسافات وحدها التي تفصل بين عناصرها».

عبدالله يضيف، معلقًا على الحوادث التي يتعرض لها عناصر التنظيم في دير الزور من قتل وخطف، أن انتهاكات التنظيم خلفت حالات فردية في المقاومة ومجموعات صغيرة تعمل على الانتقام منه، لكن ذلك لم يرتق بعد ليكون عملًا منظمًا لمقاومة وجود التنظيم ووعيًا لحالة «الاحتلال» التي يمثلها.

تابعنا على تويتر


Top