اجراءات مبطنة تتجنب استفزاز المواطنين

بشار الأسد يخالف والده ويدعس على “الخط الأحمر”

Untitled-1130.jpg

بعد أيام من “مكرمة” رأس النظام على الموظفين ممن ما زالوا في المناطق الخاضعة لسيطرته، والتي تقضي برفع الرواتب بمبلغ زهيد لا يتجاوز بسعر الصرف الحالي لليرة السورية أكثر من 7 دولارات أمريكية، رفع النظام سعر ربطة الخبز من 35 ليرة سورية لتصبح بـ 50.

ونشر المنتدى الاقتصادي السوري، الثلاثاء 20 تشرين الأول، تحليلًا يوضح فيه طرق لجوء النظام لرفع الأسعار، مقارنًا ذلك بما كان متبعًا خلال عهد حافظ الأسد.

كيف تعامل الأسد الأب مع قضية الخبز

للخبر في سوريا قصة أخرى ابتدأت مع وصول حافظ الأسد للحكم عبر انقلاب عام 1970 أسماه الحركة التصحيحية، ورفع نظام الأسد في تلك الفترة وعلى مدار عقود حكمه شعارًا مفاده بأن الخبر “خط أحمر”، فلم يسمح بالاقتراب من سعر السلعة كونها كما اعتبرها قوت الشعب وتم تثبيت سعر هذه السلعة تحت يافطة الدعم.

ولكن مع استمرار انخفاض الخط البياني الذي يمثل الحالة المعيشية للمواطن السوري خلال حُكم الأسد الأب، ومع اضطرار الحكومة لاتخاذ إجراءات تقشفية لدرء مخاطر الإفلاس الناتج عن حجم السرقات الهائل لثروات سوريا، بدأت باتخاذ إجراءات لا يمكن وصفها سوى بـ “التحايل”، وذلك بالتلاعب بمادة الخبز، فتارة يأمر بخلط القمح بالشعير وأخرى يأمر بتخفيض وزن الربطة دون المساس بعدد الأرغفة، أو يقلل حجم الأرغفة وعددها.

كل ذلك كان بهدف عدم المساس بسعر الخبز المدعوم، لأنه يعرف أن ذلك ربما سيقوض نظام حكمه الذي جاء باسم العمال والفلاحين وهم فئات الشعب الفقيرة.

المؤتمر القطري العاشر وسيناريو الاقتصاد الجديد

بعد وفاة الأب بدأت ملامح جديدة تظهر في المجتمع الاقتصادي السوري، يسودها الفساد العلني والسرقة المكشوفة في وضح النهار، فبدأ مع ذلك الانهيار التدريجي للخزينة السورية وبدأ ينعكس ذلك بشكل سلبي على حياة المواطنين.

ومن ناحية أخرى بدأت تظهر في المجتمع السوري طبقة جديدة وهي طبقة التجار المستفيدين من النظام والمرتبطين معه والملتفين حوله.

السيناريو الاقتصادي الجديد ابتدأ بعقد المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث الحاكم في حزيران عام 2005، والذي تبنى عدة توصيات أهمها الانتقال إلى “اقتصاد السوق الاجتماعي”.

لم يفهم المواطن من المصطلح شيئًا، لكنه بدأ يشعر أن الراتب الذي يتقاضاه لم يعد يستطع أن يلبي حاجاته الأساسية والضرورية من غذاء وكساء، وبدأ يشاهد أنواعًا جديدة من السلع الكمالية التي غزت الأسواق بعد فتح باب الاستيراد على مصراعيه، ليس خدمةً له بل خدمةً للمستوردين، وبدأت المراكز التجارية (المولات) على الأسلوب الغربي تنتشر في كافة المحافظات السورية مع ظهور مظاهر البذخ فيها.

هذه التحولات في الاقتصاد السوري سببت عجزًا كبيرًا في الموازنة السورية، فبدأ مسؤولو النظام يفكرون ولأول مرة علنًا بموضوع رفع الدعم عن السلع المدعومة، وبدايةً قاموا بتحريك أسعار المحروقات صعودًا بين الفينة والأخرى، ومن ثم رفع الدعم عن المواد التموينية التي كانت توزع عن طريق قسائم تموينية مثل الشاي والزيت والرز والسكر، ولكن بخجل وعن طريق عدم تأمينه في المؤسسات.

نقاش رفع الدعم

أسعار الخبز بقيت في تلك الفترة ثابتة مستندة للخط الأحمر الذي وضعه حافظ الأسد، ولكن الجديد بأن نقاع رفع دعم الخبز والقمح بدأ عبر رجال النظام السوري، من أمثال عبد الله الدردري، نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، إذ أصبحوا يشتكون في كافة اجتماعاتهم من حجم الدعم ومن التأثيرات المالية على خزينة الدولة جراءه.

لم يكسر الخط الأحمر ظاهريًا، لكن النظام اتخذ بعض الإجراءات التي تؤدي بالنتيجة إلى رفع الدعم بشكل مُبطن، وتمثلت الإجراءات بنقطتين: الأولى تخفيض كمية ونوعية الخبز المدعوم من قبل الدولة وتخفيف منافذ بيعه، وبذلك تظهر أزمة ازدحام على الأفران التي تبيع هذا النوع من الخبز، والنقطة الثانية تتمثل بتشجيع القطاع الخاص المرتبط بالنظام أصلًا على إقامة أفران سميّت بالأفران السياحية وهي تُنتج خبزًا عالي الجودة.

انتشرت هذه الأفران في مختلف المحافظات مثل أفران شمسين وتفاحة وقمرين في دمشق وطيبة وبركة في حلب، وبدأت توزيع مُنتجاتها على البقاليات والسوبر ماركات، يتجنب المواطنون الوقوف لساعات طويلة، أو يشتري من الأطفال الذين يبيعون الخبز الحكومي أمام الأفران بسعر مرتفع.

وبهذه الطريقة استفاد النظام بنقطتين: تأهيل المواطن السوري لساعة رفع السعر الرسمي لأنه بكل الأحوال يشتريه بسعر مرتفع، والثانية تخف كمية الخبز التي تباع من أفران الدولة الأمر الذي يؤدي لتخفيف المبلغ المخصص لدعم الخبز وبذلك تستفيد خزينة النظام من العوائد دون أن يضطر لإعلان رفع الدعم بطريقة تستفز المواطنين.

الخبز يرتفع 450% خلال عام ونصف

انطلاقة الثورة السورية ربيع 2011، جعلت النظام السوري أمام واقع مرير ضغط على موارده المالية، بسبب استنزاف آلته العسكرية التي سخرت للمواجهة.

ودفع الأمر النظام لتجاوز الخطوط الحمراء التي وضعها حافظ الأسد، فلجأ شهر تموز من عام 2014 لرفع سعر كيلو الخبز من 9 ليرات إلى 15، أي بنسبة تزيد عن 65%.

وتحت مبرر عقلنة الدعم أصدر وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك، الأحد 18 كانون الأول 201، قرارين يقضيان بتخفيض وزن ربطة الخبز من 1750 غرام إلى 1450 غرام، وبزيادة سعر الربطة من 25 ليرة سورية إلى 35 ليرة سورية وبذلك تكون الزيادة الجديدة تفوق 60%، وهذا يعني أنه خلال 6 أشهر رفع سعر الخبز أكثر من 120%.

وهاهو اليوم يقرر مرة أخرى رفع سعر ربطة الخبز بنسبة تصل إلى 42% ليصل سعر ربطة الخبز إلى 50 ليرة سورية.
خلال عام ونصف تقريبًا رفع النظام السوري السعر بنسبة تصل إلى 450% وبذلك يكون النظام أجبر على اللعب بورقة قد تكون آخر أوراقه، وهي ورقة معيشة المواطنين المؤيدين قبل المعارضين.

تابعنا على تويتر


Top