زيدون الزعبي وكريس غن

فادي القاضي

من أكثر اللحظات الحافلة بالشجاعة، والكرامة الإنسانية، التي أذكرها، هي تلك اللحظة التي مرت في 30 تموز من العام 2014، حين أنهى كريس غن، الناطق باسم وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، مقابلة متلفزة، في بث حي ومباشر، على أثير قناة الجزيرة العربية، وأجهش بعدها في بكاء مرير. وجرت المقابلة في أعقاب القصف الإسرائيلي لمدرسة تابعة للوكالة في مخيم جباليا في قطاع غزة، التجأت إليها العائلات وأطفالها بعد أن وجهت لهم قوات الاحتلال إنذارًا بضرورة ترك منازلهم. وتفترض الوكالة، كما افترضت هذ العائلات، أن مدارسها ومقراتها آمنةٌ ومحميةٌ من الاعتداءات، بحسب القانون الدولي الإنساني الخاص بالنزاعات المسلحة. إلا أن الحال في مدرسة جباليا كان إجراميًا على نحو مأساوي، حين خلف القصف الإسرائيلي 15 قتيلًا جلهم من الأطفال.

والواقع، أن اللحظات المؤثرة التي سجلتها كاميرا الجزيرة لكريس غن منخرطًا في دموعه بعد حديثه عن حادثة القصف، كان يفترض بها أن تكون لحظات خاصة، وشخصية، وغير متاحة للجمهور، لولا أن الكاميرا لم تتوقف عن التسجيل بعد انتهاء المقابلة في البث الحي والمباشر. وهكذا، أذاعت القناة هذه المقاطع كاملة في نشراتها اللاحقة، وتداولتها وسائل الإعلام الأخرى على مدار بضع أيام. وقال كريس، في اليوم التالي، في مقابلة أجرتها معه صحيفة الغارديان البريطانية، إنه لم يُدرك بأن الكاميرا تسجل لحظة بكائه، إلا أنه قال أن لا ندم يعتريه مطلقًا عما وصفه بـ «لا شيء» مقارنةً بمعاناة أطفال غزة.

وعادت تلك اللحظة المشحونة بالكرامة الإنسانية، لتُطل علي، وعلى ملايين المتابعين، مرة أخرى في وقت سابق من الأسبوع الماضي. في 21 تشرين أول الحالي، أجرت محطة السي إن إن مقابلةً تلفزيونية مع زيدون الزعبي، رئيس اتحاد منظمات الإغاثة الطبية السورية، حول الوضع الإنساني في ريف حلب في أعقاب الحملة العسكرية التي تشنها قوات حكومة الأسد مدعومة بغطاء روسي، جوًا وبرًا. ولم يُخف زيدون ما كان يجيش في روحه من تعب، حين بدى أن جسده يرتعش وأن دموعه تفر من عينيه، حين تحدث عن المشهد الكارثي لعشرات الآلاف من الناس الذين نزحوا من مناطق التوغل الحكومي، من دون طعام، أو دواء، أو ملجأ أو حماية.

«انظروا إلى وجوهنا .. لم نذق النوم منذ أيام الآن؛ إنه أمر يفوق قدرة تحملنا»

هكذا نقلت السي إن إن، بنسختها العربية، ترجمة من اللغة الإنجليزية، لما قاله زيدون الزعبي خلال المقابلة.

كريس وزيدون، هما دلالة العافية في محيط الحرب الذي سكن منطقتنا. والمسألة ليست أننا نحتاج للبكاء بين الفينة والأخرى، لتقديم دليل على صحة «إنسانيتنا». على الإطلاق. لكننا نحتاج، ونريدُ ناقوسًا يدقُ في الوقت المناسب، وفي الزمان المناسب، وليذكرنا بأن القتال يحجب مشهدًا أعظم وأكثر فداحة لا نصر فيه: المشهد الدموي لإفناء البشر من دون ذنب أو سبب.

تابعنا على تويتر


Top