ألم المخاض، ذاك المعلم الفذ

29حنين النقري – دوما

لعل البعض من أصحاب النفوس التشاؤمية -عافانا الله وإياكم- يصرح بأن الشعب لو علم هول ما تخبئه له الثورة وعظم البلاء الذي فتحت بابه درعا علينا، ما كان أقدم على هذه الثورة أبدًا..

والغريب أن أصحاب هذه الكلمات هم أنفسهم من كانوا يقولون بوجوب دفع الغالي والنفيس، يدعون أهل حمص للمضي، لذوي الشهداء بالصبر والشكر، للنازحين الأول بالتصبر والعزيمة، لكن ما إن يقرع البذل أبوابهم وتطلبهم التضحية حتى يبدؤون بالتذمر والنقد.. من ثورة ما آتت من ثمارها شيئًا، و»بتنا نتحسر على حياتنا قبلها ونحن لها» هكذا يقولون، فهل كانت ثورتنا سلسلة ابتلاءات فقط؟ وهل حقا سيكون الثمن أغلى من كل حرية نتشدق بها؟

حقيقة فإن الملاحظ أن غالب من يرددون كلمات كهذه هم من الأقل بذلًا، الأقل تقديمًا لصفوف الثورة، الأكثر شكوى دومًا، وليس غرضي انتقادهم هنا، فتأصيل السوداوية كطبع والأحكام المعممة والسطحية تحتاج لمقالات، إنما حديثي عن بعض مشاهدات شخصية لدروس «قلبت» حياتي، في ظل الثورة، ودعوة لاستخلاصكم سادتي المزيد مما جادت الثورة به عليكم..

لم أكن أتخيل يومًا أن أشهد ثورة، الأمر يشبه تخيلك لشهود ولادة دين جديد!، روعته لن تكمن فقط في إيمانك به أو حضورك لنشوة النصر والتمكين له، لكنها ستكون أيضًا في كمية الدروس التي ستمنحك إياها لحظات المخاض الصعبة -تلك التي سيكون شأن السوداوين إحصاء متاعبها فقط- بشكل يفوق سني حياتك مجتمعة.. وهذا ما فعلته الثورة، النزوح بشكل أكبر!

العيش تحت الضغوط بيقين راسخ لا تزلزله الجبال، أية أم كانت ستفكر أن تبقى بوعيها وهدوئها وأحد أبنائها بعيد عنها يخوض الوغى ويحوم حوله الموت في كل دقيقة، لا يصلها عنه خبر لكنما تكتفي بقولها «سلمتهم لله»

هذه الأم هي ذاتها التي كانت تذوب قلقًا إن غاب عنها ابنها ليوم دون أن تدري مكانه قبل الثورة!

مع كل الموت المحيط بنا -أو ربما بسببه- هناك طمأنينة، مفهوم التسليم لقضاء الله والرضا به واضح جدًا في يوميات ثورتنا ويوميات أمهات الشهداء وذويهم، الحمد لله

العيش بنمط حياة مختلف، الأمر الأكثر صحية ووضوحًا، أتيح للجميع تقريبًا النوم تحت أكثر من سقف وفي أكثر من بيئة، التعامل مع تحديات جديدة واختراع حلول بسيطة نستطيع الاستمرار بحياتنا معها، هل سيجعلك هذا أكثر مرونة مستقبلًا مع التغيير والقلة والنقص في أحد الأمور التي اعتدتها يوميًا؟ إن لم تجعلك الأوضاع الراهنة أكثر مرونة.. فلا أعتقد أن شيئًا آخر سيمنحك إياها!

الاختلاط مع أشخاص مختلفين، معايشة أنواع عديدة جدًا من البشر، الاطلاع على تفاصيل دقيقة في النفوس وفي قواعد التربية وإدارة الأسر، يا إلهي، أي كتاب سيحوي هذه التجارب الحية؟ أي كتاب سيتيح لك هذه الدراسة العملية للواقع، للمسببات ونتائجها؟ سيجعلك ما تراه أكثر وعيًا بما تريد أن تكونه، ما تريد أن تبني عليه أسرتك مستقبلًا، أكثر حرصًا على تلافي ما تراه من أخطاء، أو ترسيخ المحاسن-إن وجدت!-

وها نحن اليوم قاب قوسين أو أدنى من النصر بإذن الله، سنعمر بيوتنا، ونصلح شوارعنا.. ونعود لحياتنا التي نريد

هل نريد لحياتنا بعد الثورة ان تكون كحالها قبلها؟

ربما بالنسبة للبعض!

لكن نصيحتي لكم، أن تصمّوا آذانكم عن كل سوداوية تحاول منعكم عن التأمل، تأملوا أكثر بكل ما حولكم، واستخلصوا أكبر قدر من المعاني.. فما كل يوم سيتاح لكم هذا الكم من الدروس

وما كل يوم.. سيأتي اليكم هذا المعلم الرائع!

تابعنا على تويتر


Top