المسيحيون  في سوريا… خيوط تتناقص في مطرّزة شرقية

-في-دمشق.jpg

حنين النقري – عنب بلدي

تجلس أم رامي وحيدةً، تتأمل قاسيون وأضواءه من شرفة منزلها في حيّ العدويّ بدمشق، ترتشف من فنجان قهوة وتركنه على طاولة مجللة بالمطرزات الشرقيّة، تهمس سائلة “كيف يخطر لإنسان أنه سيترك هذه الجنة يومًا، ويخرج منها إلى بلاد لا يعلمها بمحض إرادته؟

أم رامي سيّدة في أواخر الخمسينيات، مسيحيّة من أصول حمصية، لكنها عاشت حياتها كلّها بين حيّي باب توما حيث بيت أهلها، والعدوي مع زوجها، قبل أن يتركها وحيدة مع هموم الحياة ويركن هو إلى الموت منذ 10 أعوام أو أقل.

استغلّت أم رامي مهارتها بالشرقيات والمطرّزات وعملها السابق كمعلّمة في مدرسة فنّية، لتبدأ العمل معوّضة خسارة زوجها والفراغ الذي تركه في حياتها، ولتستطيع إكمال المسيرة في تربية وتعليم ابنها الوحيد رامي، أنشأت ما يشبه “المشغل” لصناعة هذه التحف المرغوبة من قبل السيّاح، وتقول لنا “كنتُ أزور ضيعتنا في وادي النصارى بحمص وأستلم التوصيات من السيّدات، أدفع لهنّ أجرتهن وأسلّمهن قماشًا وخيوطًا لتوصيات جديدة، أعود إلى دمشق لأغلّف هذه المطرّزات والمنسوجات وأوزّعها على محالّ يقصدها السيّاح بكثرة”.

على درب الثائر الأول

استمرت أم رامي على هذه الحال إلى أن اشتعلت الثورة، وكان رامي حينها في السنة الجامعية الثانية يدرس ضمن كليّة الهندسة الكهربائية. هنا تغيّرت حياتهما كليًّا، وتوضح “بدأ ابني بالتغيّب عن المنزل بشكل كبير والعودة في وقتٍ متأخر، في البداية كان يراوغ ولا يخبرني الحقيقة، لكنه عندما بدأ يأتي بالضمادات والمواد الإسعافية ليخبئها في بيتنا أخبرني مضطرًا أنه يشارك في المظاهرات ويسعف الجرحى بين صفوف المتظاهرين، وهنا كدتُ أجنّ”.

أدركتْ السيدة أن الخطر محدق بابنها لا محالة رغم إيمانها بنبل وإنسانية ما يقوم به، وأن هذا الفعل هو ثمرة تربيتها له “كيف لي أن ألومه وأنا ربيته على المساعدة في أي ظرف؟ كيف يمكن أن أثنيه عن مواجهته للنظام والمسيح كان الثائر الأول في وجه الظلم؟ لا يمكن أن ألومه على أفكار نضجت من مكتبة أبيه، كنتُ خائفة عليه مئة مرة.. لكن أتعلمين، فخورة به ألف مرة”.

واعتقل رامي

وحدث ما كانت تخشاه أم رامي، إذ اعتقل ابنها من قبل عناصر الأمن في حيّ الميدان أواخر 2012، تستأنف قائلةً “اتصلت به مرارًا على هاتفه لكني وجدته مغلقًا، وما هي إلا ساعات حتى علمتُ أنه معتقل”.

محاولات كثيرة جرت من أم رامي وأقربائها ومعارفها لإطلاق سراح ابنها، ومبالغ ماليّة ضخمة دُفعت لهذا لتؤول كل الجهود للإفراج عنه بعد 6 أشهر، خارجًا بآثار تعذيب بادية على جسده، وتقول أمه “يزعم الكثيرون أن النظام يُحسن معاملتنا لأننا أقلية، لكن الصحيح هو أنه يخيفنا من أي بديل عنه، والدليل ابني، كونه من أقلية لم يشفع له أمام سوط السجّانين وفلقاتهم”.

وتتناقض الأرقام حول نسب المسيحيين في سوريا، ما بين 10% حسب إحصائيات النظام، و7% حسب إحصائيات الكنيسة، لكن الكثير من الدراسات تؤكّد أن نسبتهم أقل من ذلك لانتشار الهجرة في صفوف أبنائهم، بل إن نسبتهم انخفضت من 15% من المجتمع السوري عام 1970 إلى ما لا يزيد عن 5% في الوقت الراهن.

ويؤكّد على هذا كتاب لسمير عبده بعنوان “الطوائف المسيحية في سوريا” يقول فيه إن عدد المسيحيين في الإحصائيات الرسمية افتراضي وأكبر من عددهم الحقيقي الذي لا بدّ أنه نقص بحكم الهجرة المستمرة، ويشير إلى السبب في موضع آخر من الكتاب “ترافق انتشار العلم في صفوف المسيحيين مع انخفاض نسبة الخصوبة والإنجاب بشكل كبير، ما أحدث خللًا كبيرًا في نموهم الديموغرافي”.

وداعًا سوريا

ورغم معرفته لثمن المشاركة في الحراك الثوريّ ضدّ النظام، آثر رامي العودة للإسعاف مع مخاوف أمه ورفضها وتحذيراتها، لكنه خفض من مشاركته وحصرها بتأمين المواد الإسعافية ونقلها للأماكن الخطرة، تقول أمه “أصبح بيتي مستودعًا من جديد للقطن الطبي والشاش المعقّم، لا أدري أيّ جُرم في إسعاف أرواح من الموت لكنني كنت أنهر ابني وأرجوه، إلى أن استعنت بخاله لتأمين سفره إلى فرنسا، هناك حيث أطمئنُّ أنه يستطيع أن يسعف من يشاء دون أن يعتقله أحد”.

بداية عام 2014 سافر رامي إلى فرنسا حيث تريده أمه، التي آثرت البقاء في بيتها في العدوي بين مطرزاتها. وتخبرتنا أنها منذ بدء الثورة لم تزر وادي النصارى ولم تستلم أعمالًا من نساء ضيعتها “لوعورة الطريق إلى هناك” حسب تعبيرها، لكنها تضيف “تعرّفت على العديد من السيدات الماهرات بالأعمال اليدوية ممن قدموا إلى دمشق بعد الأحداث، ومنهنّ سيدة من الغوطة الشرقية تعمل مع بناتها بشكل متقن”.

ومع تصاعد حدّة الاشتباكات في معظم المناطق والمدن السورية طرح الجمهوريون في مجلس النواب الأمريكي مشروع قانون أواسط أيلول الماضي يتيح للكونغرس التحكم، موافقة أو منعًا، بخطط البيت الأبيض للسماح بدخول ما يقارب 10 آلاف لاجئ سوري إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وينصّ التشريع على منح الأولوية للأقليات الدينية في كل من سوريا والعراق، وبشكل خاص للمسيحيين.

مواطنون نخب ثاني

تقول أم رامي إنّ العائلات المسيحية في سوريا اعتادت وجود مغترب واحد على الأقل منها، وتعزو السبب في هذا أنهم كأقليّة يتجهون لتكوين قوة ماديّة وعلميّة تغنيهم عن قوة السلطة لدى الأقليات الأخرى كالعلوية، وتضيف “كان الاغتراب يمتد من بعد التخرج 10 سنوات يكوّن فيها الشاب نفسه وينال شهادات عليا من الخارج ليعوّض شعور النخب الثاني بالمواطنة، والذي نشعر به كمسيحيين عمومًا ونبوح به في جلساتنا ونقاشاتنا، لكن اليوم الاغتراب هو هجرة لأجل غير مسمّى، المسيحيون في تناقص مستمرّ والكثير من العائلات التي أعرفها هاجرت بشكل كامل”.

حيّ باب توما الذي عاشت فيه أم رامي طفولتها بات اليوم غريبًا عنها، ممتلئًا بأعلام حزب الله بحجة حماية المسيحيين من إرهاب المسلمين السنة، تقول أم رامي “بالطبع لا أرضى أن تتحول سوريا لدولة إسلامية، لن يبقى لنا حينها مكان فيها، لكن هذا لا يبرر الوجود المكثف لحزب الله في حارات دمشق، النظام يلوي ذراعنا كمسيحيين من هذا المنطلق باعتباره حامينا من الامتداد الإسلامي، والكثير من المسيحيين بالطبع يصدقون ما يقول”.

بيتٌ للبيع!

تؤكّد أم رامي أن وضع المسيحيين في دمشق هو الأفضل بين كل أماكن تواجدهم الأخرى، وتضيف “على الرغم من قذائف الهاون التي تنهال علينا كل فترة، إلا أن حال دمشق مثاليّ مقارنة مع مناطق أخرى مثل الحسكة وحلب وحمص، الكثير من المسيحيين في تلك المناطق نزحوا إلى دمشق أو الساحل، أو هاجروا بشكل كليّ خارج سوريا، نشكر الله لا زلنا في بيوتنا”.

وكان عناصر من تنظيم “الدولة الإسلامية” اختطفوا 230 مسيحيًا في مدينة القريتين بحمص آب الماضي، حيث أشار المرصد السوري لحقوق الإنسان أن المختطفين كانوا بمعظمهم من النساء والأطفال وأن بعضهم اختطف من داخل كنيسة.

تشير أم رامي إلى أنها عرضت منزلها للبيع، لتحمل كل ما تبقى لها في سوريا وترحل به إلى حيث ابنها، علّهما يبدآن هناك حياتهما من جديد، وتقول “يعزّ علي أن أبيع منزل زواجي، قضيت فيه 30 عامًا كانت الأجمل من عمري، لكنني عشت فيه أيامًا كانت الأسوأ أيضًا، لم يتبقّ لي شيء هنا، لا ابن ولا أمان ولا أهل”.

تختم أم رامي حديثها “أشعر أحيانًا أن وجودنا نحن المسيحيين في سوريا بات نادرًا، بل مهددًا بالانقراض… تمامًا كهذه المطرزات الشرقية”.

تختلف الإحصائيات حول نسبة المسيحيين في سوريا ما بين 4-8-10%، وتشير أغلب الإحصائيات أن نصفهم تقريبًا من الروم الأرثوذكس.

كانت نسبة المسيحيين تزيد عن25% مع بدايات القرن العشرين، إلا أنها انخفضت إلى 15% عام 1970 بسبب الهجرة المتزايدة بدءًا من الحرب العالمية الثانية، والتي شهدت أكبر عملية نزوح للمسيحيين في سوريا الكبرى للأمريكيتين.

تعتبر مدينة حلب ثاني أكبر مدينة في الشرق الأوسط بعدد المسيحيين بعد بيروت، لكنّ أعدادهم انخفضت فيها من 150 ألفًا إلى ما لا يزيد عن 70 ألفًا في السنوات الأخيرة.

يشير الباحثون في تاريخ سوريا إلى المنحدرين من أصول سورية مسيحية في دول أمريكا اللاتينية يتجاوز 15 مليون نسمة، حسب تقرير نشره مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط في حزيران 2014.

تابعنا على تويتر


Top