آخر الحالمين

أحمد الشامي

في ليلة الرابع من تشرين الثاني 1994 وضعت ثلاث رصاصات أطلقها “داعشي” صهيوني يدعى “ايغال عمير” حدًا لحياة أشهر جنرالات “إسرائيل” وقادتها “إسحاق رابين” الذي كان يحضر حفلًا انتخابيًا لتسويق برنامجه الملخص بكلمة واحدة “السلام”.

“رابين” كان آخر القادة اﻹسرائيليين القادرين على صنع سلام، قد لا يكون مشرفًا، ولكنه حتمًا أقل سوءًا مما نعيشه اليوم. كل “الدواعش” والمتطرفين منذ 1994 يدينون بالفضل لجريمة المستوطن اليهودي الذي اعتبر “رابين” خائنًا لمجرد أنه “حلم” بالسلام مع جيرانه!

سيقول قائل: ما علاقة اغتيال “رابين” بالهولوكوست السوري الحالي؟

المأساة السورية ومعاناتنا مع نظام العصابة متأتية من الطبيعة العميقة لهذا النظام ومن تشعباته الدولية التي تمنع تغييره، فنظام اﻷسد ولد من رحم علاقة تعاقدية بين ثلاث قوى نووية، اثنتين منها تملكان حق النقض والثالثة هي قوة عظمى إقليمية وعنصرية تعتبر أمن مواطنيها أثمن من حياة العرب! هذه القوى الثلاث “فبركت” نظام اﻷسد ومنحته الحصانة مقابل ضمان أمن “إسرائيل” ومقابل خدمات لرعاته الآخرين، اﻷمريكيين و “السوفييت”.

من أجل هذا الهدف، أمن اليهود، تم إقطاع سوريا إلى اﻷبد لعصابة اﻷسد بمباركة سعودية وبموافقة كل من مصر واﻷردن مع رضا تركي وإيراني ضمني.

مع انهيار المعسكر الشرقي وتوافد اليهود الروس بغزارة إلى إسرائيل، أدرك “رابين” أن تغييرًا عميقًا سيحصل في بنية “إسرائيل” الديموغرافية وسيكون له أثر سياسي مع توجه الناخبين من أصل روسي إلى تيارات فائقة العنصرية والعداء للعرب، بما سيجعل أي شكل من “السلام”، حتى المهزلة التي نراها اليوم مع السلطة الفلسطينية، مستحيلًا.

“رابين” خشي أن تصبح “إسرائيل” نهائيًا دولة عنصرية ونازية مكروهة تعيش حربًا أزلية، حتى “بالسكاكين”، وهو ما نراه اليوم.

كانت تلك فترة تفكيك العنصرية في أفريقيا الجنوبية مع انتخاب “مانديلا” وانهيار الشيوعية في أوروبا الشرقية وانتقال الدكتاتوريات العسكرية في أمريكا الجنوبية إلى الديمقراطية. كل هذه الدول سوف تنجح وسيقيم بعضها “سياجًا” يقيه من استقبال الفارين من الجحيم السوري.

“رابين” ربما حلم بأن يكون “مانديلا” العرب واليهود معًا، فالرجل تمتع باحترام أعدائه قبل أصدقائه وعرب إسرائيل وضعوا صورته في دكاكينهم.

من كان يخشى من فكرة السلام ومن أي مشروع مصالحة تاريخية بين العرب واليهود؟ “الدواعش” من أمثال “الولي الفقيه” في إيران و “نتنياهو” في إسرائيل و “حافظ اﻷسد”. فانهيار الاتحاد السوفييتي جعل مصير نظام العصابة حينها بين يدي راعيَين بدل ثلاثة، أمريكا وإسرائيل.

في أمريكا، كان “كلينتون” آخر الرؤساء المستنيرين وممن يتمتع ببعض الحس اﻹنساني بدلالة إنقاذه للمسلمين في البوسنة. “رابين” كانت لديه علاقة وثيقة مع “كلينتون” تسمح للاثنين بالعمل معًا وبفعالية.

اﻷسد اﻷب كان يدرك أن أي مشروع ولو شكلي للسلام سوف يهدد بنية “دولة العصابة” التي بناها ويعد لتوريثها، فالسلام سيفرض حدًا أدنى من العمل المؤسساتي ومن احترام القوانين، وهو ما كان اﻷسد، اﻷب ثم الابن، يرفضانه ﻷنه ينهي وجود العصابة اﻷسدية على المدى المتوسط.

من يدري كيف كانت اﻷمور ستتطور لو تحقق شكل من أشكال السلام، مصالحة تاريخية بين العرب واليهود تجعل من المنطقة جنة الله على اﻷرض، وكما سمح العرب لليهود “بالنجاة” من العصور الوسطى، لربما كان قدر العرب أن يرد اليهود لهم الجميل بمساعدتهم على الولوج إلى العصر الحديث، إلى دولة المواطنة والقانون والمؤسسات التي فشلنا في بنائها، في حين نجح اليهود في ذلك.

“حافظ” و “نتنياهو” وكل الدواعش تنفسوا الصعداء حين لفظ “رابين” أنفاسه اﻷخيرة، ليس فقط “السلام” أصبح مستحيلًا بل حتى الحلم به أصبح قاتلًا.

تابعنا على تويتر


Top