من الطين والتبن… مقابر طابقية في دوما لاستيعاب الجثث والأكفان “ملونة”

-طابقية.jpg

عنب بلدي – الغوطة الشرقية

وسط حملات القصف المستمرة على مدن وبلدات الغوطة الشرقية، بدأ مكتب المقبرة في المجلس المحلي لمدينة دوما خلال الأشهر القليلة الماضية استخدام المقابر الطابقية بغية زيادة عدد القبور في الرقعة المساحية الواحدة، لاستيعاب عدد أكبر من الجثث.

المجلس المحلي لمدينة دوما استلم الإشراف على مكتب المقبرة من الإدارة المدنية في كانون الأول الماضي، وباشر العمل به وربطه مع السجل المدني، بحسب مديره سمير بويضاني.

طوابق من الطين والتبن

وقال مدير مكتب المقبرة إن الدفن يجري بشكل طابقي (5  إلى 7 طوابق)، وتُبنى القبور من المواد المحلية (البلوك) الذي يصنع من الطين والتبن، ثم يغطى بـ(البلوك) المسلح والمقوى بقصب البربار والتبن.

وتقع مسؤولية بناء القبور على العمال، ويغطى القبر بالطين لتأمين إغلاق محكم للقبر، كما ترش المقبرة بالمبيدات الحشرية منعًا لتجمع الحشرات الضارة، بحسب بويضاني، الذي قال في حديثه لـ”عنب بلدي” إن مكتب المقبرة زرع أشجارًا حراجية في محيط المقبرة، بالإضافة إلى بعض الأشجار المثمرة بعيدًا عن القبور “لتحسين المظهر العام”، ويرعى العمال الأشجار عن طريق سقايتها ورشها بالمبيدات الحشرية.

إدارة المقبرة نفذت مشروع بئر مياه وزودته بمضخة لضرورة استخدامه في صناعة (البلوك) الطيني، ويقوم عمال المقبرة بكافة الأعمال من تحضير وتجهيز المواد إلى صناعة (البلوك) الطيني وجلب التبن وقصب البربار بواسطة آليات المجلس، بحسب بويضاني.

ويؤمن مكتب المقبرة الأكفان حسب الأقمشة المتوفرة “لذلك نرى الأكفان بألوان مختلفة”، بحسب المدير، ويعود الأمر للحصار المطبق وصعوبة الحصول على المواد اللازمة وإدخالها إلى الغوطة، وفق مديره.

مدن تحت الأرض “لننعم بالسلام الأبدي”

أبو راتب يعمل حفارًا للقبور، قال إن حفر القبر كان يستغرق وقتًا من ساعة إلى ثلاث ساعات، باستخدام آلات حفر يدوية بسيطة، “أما في الوضع الحالي ومع كثرة الموت وسوء الوضع نحفر القبور بواسطة الحفارة (الباكر)، وتكون الحفرة كبيرة وواسعة لاستيعاب العدد الكبير وتأمين سرعة الدفن”.

ويواجه العمل صعوبات كثيرة أثناء الحفر، منها قساوة التربة ووجود جذوع الأشجار داخل بعض الأراضي الصخرية القاسية، وأشار أبو راتب إلى أن قلة مواد البناء اضطرت الفريق إلى خلط التبن مع التراب لصناعة سقف القبر الذي يوضع فوق الميت  قبل ردم التراب فوقه.

وختم أبو راتب حديثه “نحفر أحيانًا حفرًا عميقة تصل إلى 20 مترًا أو أكثر، لكي تتسع لعدد كبير من الأشخاص في ظل المجازر المتكررة في المدينة”.

طريقة الدفن

وعن طريقة الدفن قال مدير المقبرة إنه لا يتم إلا بالحصول على ورقة خاصة يمنحها مكتب المقبرة، إذ يصل المتوفى مكفنًا بعد تغسيله حسب الشريعة الإسلامية.

ويُوثّق الدفن بالتصوير ضمن قوائم اسمية؛ تُحدد رقم القبر وموقعه وإحداثياته ضمن المقبرة الأفقية والشاقولية وداخل المخطط الطابقي، ولا يقبل دفن أي جثة دون مصدر يوثقها.

كما تحفظ إحداثيات كل قبر على حدة وفق ترميزٍ محدد لتسهيل العودة إليه ومعرفة الطابق الذي دفن فيه المتوفى.

تجهيزات الدفن

أم معاذ، إحدى العاملات في تكفين جثث النساء، شرحت لـ”عنب بلدي” طبيعة عملها، إذ تجهز “الذهبة”، وهي اسم  يطلق على ما يحتاجه الميت من تجهيزات قبل الدفن، وتصنع من القطن والقماش (أبيض أو أخضر فاتح)، بالإضافة إلى أعشاب الطيب.

وأضافت أم معاذ في حديثها أن “كفن الشهيد الذكر عبارة عن مترين من القماش يُغطى به الجسم ويربط من ثلاثة مواضع، بينما يضاف غطاء الوجه للمرأة”، مردفةً “وصلت مساعدات من القماش للأكفان لكنها استخدمت كشاش للجرحى للضرورة”.

الوضع في الدفاع المدني “يزداد خطورة”

أمل شابة عشرينية تعمل أحيانًا مع فرق الدفاع المدني، أفادت في حديثها لعنب بلدي “عملي سيئ جدًا وصعب، نحن نعمل وقت الأزمات فقط لأن أعضاء الدفاع المدني يكونون  في حالة صعبة ويحتاجون إلى المساعدة”.

ولفتت أمل “نعمل كفريق نسائي على تكفين النساء وتوثيق الجثث، كما نساعد في مواساة الأهالي وندعمهم نفسيًا، ولانذهب إلى مكان الضربة”، مردفةً “الوضع في الدفاع المدني يزداد خطورة لأن شبابه معرضون دائمًا للخطر وسط الضربات المستمرة والتي تفوق طاقة الكوادر والموارد”.

أمل قالت إن الجثث تصل غالبًا غير واضحة المعالم، “نعاني من الضغط النفسي  كوننا إناثًا لأن الوضع يحتاج إلى سيطرة على المشاعر أثناء جمع الأشلاء والشعر والأعضاء، ولكننا  تجاوزنا الأمر وأصبحت قلوبنا أقوى الآن”.

“حفاظًا على الحقوق”.. المكتب يوثق الوفيات

ويُنسق المكتب مع الدفاع المدني في عملية استقبال الوفيات بعد التغسيل و التكفين، من خلال إرفاق جثة المتوفى ببطاقة يصدرها الطبيب الشرعي المعتمد لدى المجلس المحلي وتحوي معلومات كاملة عن الجثة.

كما يستقبل حالات الجثث المجهولة ويشير إلى ذلك في ملفها، ويعمل على إصدار تقارير أسبوعية وأخرى شهرية ويجدولها أصولًا، لتحتفظ أمانة السجل المدني ومكتب المقبرة ودائرة السجلات العقارية بها حفاظًا على الحقوق، بحسب بويضاني.

المقبرة تتعرض للقصف باستمرار

أكرم طعمة، رئيس المجلس المحلي في مدينة دوما، قال إن المجلس يحفر قبورًا بعمق 4 أمتار في المباني الطابقية “لعدم توفر مساحة”، الأمر الذي يكلف المجلس مبالغ مالية كبيرة نظرًا لارتفاع أسعار المحروقات وأجرة الآليات وصناعة (البلوك).

ولفت طعمة إلى أن نظام الأسد يستهدف المقبرة بين الحين والآخر وخاصة خلال حملته “الشرسة” الأخيرة على المدينة، خلال عملية دفن الشهداء وتجمع الأهالي لزيارة القبور في الأعياد، مردفًا “فقد المجلس الأسبوع الماضي شهيدًا من عمال المقبرة، وشهيدين داخل المدينة من عمال النظافة”.

وتتعرض مدينة دوما خلال الأيام القليلة الماضية لغارات جوية مكثفة، أدت إلى مقتل 204 أشخاص خلال تشرين الأول، بينما وصل عدد الوفيات في المقبرة الجديدة منذ بداية 2013 وحتى الآن إلى قرابة 4900، معظمهم قضوا جراء القصف على المدينة، بحسب إحصائيات مكتب المقبرة.

– تعتبر دوما، أكبر مدن الغوطة الشرقية، من أوائل المدن التي شاركت في المظاهرات الشعبية ضد نظام الحكم عام 2011.

– خرجت عن سيطرة الأسد منذ أكثر من 3 سنوات.

– تعاني منذ ذلك الوقت إلى جانب بلدات الغوطة، من حصارٍ تفرضه قوات الأسد على المواد الغذائية والتموينية وتمنع الخروج والدخول منها.

– في آب 2012 تعرضت المنطقة لاستهداف بصواريخ محملة بالغازات السامة أسفرت عن مقتل أكثر من 1400 مدني (في عموم الغوطة).

– مطلع 2013 بدأت حملات البراميل المتفجرة وتستهدف التجمعات السكنية والأسواق بشكل يومي.

– بلغ عدد شهداء دوما منذ بداية العام 2013 إلى اليوم 4900

تابعنا على تويتر


Top