بين أرقام الطلاق وضرورات الحرب..

من ينقذ الرباط المقدس من التفكك؟

-والطلاق.jpg

حنين النقري – عنب بلدي

– هل تزوّج ابنتك لفلان؟

-نعم زوجته إياها.

– وأنا قبلت.

ألفاظ عقدت قران ملايين النساء والرجال على مر السنين، لتُعلن الأعراس والأفراح والليالي الملاح، لكن هل يضمن التفاهم والحب في البداية سعادةً دائمة؟

بالطبع لا، ولأجل هذا كان الطلاق “ليغن الله كلًا من سعته”، وكما افتتح لقاؤهما بكلمات، ينتهي بكلمات، كلمات.. لكنها تخفي بينها الكثير من الحكايات والقصص.

أرقام.. غير دقيقة

منذ العام الثاني للثورة بدأت إحصائيات الطلاق تدقّ ناقوس الخطر، فبحسب المحامي العام الأول في دمشق، أحمد بكري، تخطت حالات الطلاق عدد حالات الزواج، بنسبة 100% بواقع 100 حالة يوميًا عام 2012، بينما كان عدد الحالات في المناطق المغطّاة بإحصائيات النظام عام 2014 تسعة آلاف حالة سنويًا (دون احتساب حالات الطلاق في المناطق المحررة)، فيما أكد القاضي الشرعي الأول في دمشق، محمود معرّاوي، أن حالات الطلاق زادت في أواخر عام 2014 لتصبح بمعدل 40 حالة يوميًا مسجلة في المحكمة الشرعية.

ولتقدير زيادة حالات الطلاق يكفي معرفة أن عدد الدعاوى في دمشق عام 2010 كانت نحو 5 آلاف حالة، بحسب معهد ليفانت للدراسات، بينما كان عدد دعاوى الطلاق عام 2000 في جميع المحافظات السورية بحدود 11 ألف حالة، وفق دراسة نشرتها القاضية غادة مراد عام 2006.

وتبقى الإحصائيات غير دقيقة وعاجزة عن مقاربة العدد الحقيقي، وهو أمر ذُكر صراحة في تقرير مادة عن الطلاق في صحيفة تشرين الرسمية، بعددها الصادر بتاريخ 15 أيلول 2013، ويعلّل ذلك “لغياب بيانات محافظات حمص، حلب، إدلب، الرقة، دير الزور، والحسكة نتيجة الأوضاع الراهنة”.

أرقام كبيرة عن تفكك الأسر السورية، لكنها تنبئ عن تغيّرات أكبر في بنية المجتمع تحتاج لدراسة وفهم، فما الذي يجري؟

أسباب ارتفاع النسب

رغم أن الثورة السورية قامت بشكل أساسي لتغيير نظام الحكم وإسقاط الدولة المخابراتية، إلا أن دائرة تأثيرها كانت أكبر من ذلك بكثير على ما يبدو، فأسباب الطلاق اليوم غير أسبابه الأمس، وقصصه وحكاياه لا تشبه ما كان عليه الأمر سابقًا، وإليكم هنا قائمة بأسباب الطلاق قبل وبعد الثورة:

12231663_748176261954014_512147455_n

وبتحليل الجدول أعلاه، الذي أعدته “عنب بلدي” باستطلاع الحالات التي وصلت إليها خلال الثورة، نجد أن كل أسباب الطلاق ترسّخت وازدادت في ظل الحرب مع ظهور أسباب جديدة، فمثلًا صرحت نائبة المدير القطْري لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في دمشق، اليسار شاكر، بداية عام 2014 لوكالة الأنباء الفرنسية، أن أكثر من نصف سكان سوريا البالغ عددهم نحو 23 مليون نسمة هم من الفقراء، بينهم 9.7 ملايين سوري يعيشون على خط الفقر و4.4 ملايين في فقر مدقع، الأمر الذي يزيد من تأثير الأحوال المادية على الطلاق.

وأشارت دراسات أخرى إلى أن تكاليف الزواج انخفضت بنسبة 60% في ظل الثورة، ما يعني سهولة أكبر في الزواج الذي كان حلمًا للشاب لا يحققه قبل الحصول على عمل ومنزل خاصين، الأمر المرتبط بأخذ قرار الزواج دون تروّي، والذي يجعل الطلاق أمرًا أكثر ترجيحًا وسهولة.

ويتقاطع التحليل مع تصريح القاضي الشرعي محمود معراوي نهاية 2014 أن معظم حالات الطلاق التي يسجلها بسبب عدم قدرة الزوج على تأمين مسكن شرعيّ للزوجة.

أما بالنسبة للخطف والاعتقال فقد أكد المعراوي على وجود ما يقارب 30 حالة طلاق غيابي ودعوى تفريق يوميًا تقدم للمحكمة الشرعية.

مها تروي قصتها

مها شابة من ريف حلب، عمرها 34 عامًا، غير متعلمة ومتزوجة بشكل تقليديّ لعُمر، كان هذا قبل أن تذهب للمحكمة وتطلب التفريق بينهما، وتشرح بقولها “لدينا بنتان وصبيّ، كانت حياتنا عادية ككل الناس إلى أن نزحنا إلى دمشق مع عائلة زوجي، أمه وإخوته، هنا بدأت سلسلة العذاب والجحيم من العمل المنزليّ الذي لا ينتهي، وخدمتي لكل من في المنزل، زد على ذلك الشتائم والسباب في كلّ لحظة وكأنني أنا من أجبرتهم على النزوح”.

ورغم حجم التدخّل في خصوصيات حياة مها كانت عائلة عمر ترتدع شيئًا ما لوجوده في المنزل، كان هذا الحال من الصبر والرجاء مستمرًا إلى أن جاء “اليوم الأسود”، وتوضح “في العاشرة ليلًا داهمت فرقة من الأمن منزلنا، واعتقلوا زوجي هكذا.. دون سبب، وهنا بدأت المأساة الحقيقية من التحكّم بي، إلى أين أذهب ولا معيل ولا قريب في دمشق يؤويني، كنت مضطرة على الصبر، بل مرغمة عليه”.

غياب عمر جعل الأمور لا تطاق بالنسبة لمها، إذ تحوّلت الشتائم من طرف أخواته وأمه إلى ضرب باليد وإيذاء جسدي أمام أطفالها، فما كان منها أثناء أحد “المعارك” المنزلية إلّا أن تترك أبناءها مع جدتهم، وتهرب من المنزل.

رفعت مها دعوى تفريق بينها وبين زوجها، فمصيره مجهول منذ عامين ولا تريد أن يكون لأهله سلطة عليها بعد الآن، وبالفعل حصلت على طلاقها منه، وتقول “أعمل الآن بتنظيف البيوت والأبنية، وأقيم في منزل إيواء مع الكثير من العائلات، أكثر ما يؤلمني هو حرماني من أبنائي لكنني لم أستطع أن أتحمل الإهانة أمامهم أكثر”.

 طلقتها لأنها موالية للأسد

بعيدًا عن الظلم والألم في قصة مها، يروي لنا أبو فارس الحمصي (40 عامًا) قصة طلاقه لزوجته قبل عامين من الآن، ومشكلتهما بدأت ببساطة عندما والت هي النظام، وعمل هو إلى جانب الثورة.

يقول أبو فارس “مضى على زواجنا عشرة أعوام عند بدء الثورة، مع ثلاثة أبناء وبيت وعائلة متفاهمة، هنا انقلبت الموازين واختلّ هدوء المنزل، وتحوّل إلى صراخ دائم كلما تلفظت بكلمة من قبيل: يلعن روحك يا حافظ”.

كانت الثورة كل ما ينتظره أبو فارس أمام ما يراه من ظلم يوميّ، لكن زوجته لم تكن تشاطره هذا الحلم ورأت فيه تخريبًا للبلاد من قبل “الزعران” الذين كانت ترفض أن يتظاهر زوجها معهم “لم أكن أصغي لها، تظاهرت وساعدت الثوار أيام الهجوم على بابا عمرو، نقلت الكثير من المساعدات الغذائية والطبية لهم رغم الخطر ورغم علاقتي الآخذة بالانهيار مع زوجتي”.

استمرار “أبو فارس” بالعمل الثوري، واستمرار زوجته بتأييد النظام الذي يثور عليه جعل علاقتهما تزداد سوءًا بشكل تدريجي، يفاقم من ذلك كل نشرة أخبار تصرّ هي على مشاهدتها من قناة الدنيا ويمسك هو جهاز التحكم ليراها على القنوات الثورية، إلى أن أتى يوم ووضع فيه أبو فارس حدًّا لهذه “المهزلة”، على حد تعبيره، ويتابع “حسمت الأمور وطلقتها، لم أحرمها من الأطفال فهي متعلقة بهم للغاية، عامان من الاستفزاز وشدّ الأعصاب وأنا أصبر علّ النظام يسقط والأمور تحسم، لكن الثورة مستمرة وعمرها يطول، لم أستطع الصبر أكثر”.

الأولاد إلى أين؟

الاختصاصية النفسية أسماء رشدي فسرت ارتفاع النسبة بـ “الضغوط الجديدة الاجتماعية والاقتصادية التي تفرضها الحرب اليوم على الزوجين، إضافة إلى الضغوط النفسية المتزايدة والقلق من المستقبل والخوف من الأوضاع الراهنة ومدى استمراريتها وفقدان الأمل بحل قريب”.

ولا تقف “المأساة الاجتماعية” عند هذا الحد، بحسب رشدي، بل تمتد إلى أبعد من ذلك وهي معادلة الأطفال الذين يضطرون لإكمال بقية حياتهم بعيدًا عن أحد والديهم، وبالتالي تنشأ مشاكل جديدة يعانون منها تختلف بفوارق أعمارهم وبطريقة تعامل الأهل مع هذه الحادثة.

وتبدأ هذه المشاكل من الحزن، الانخفاض في الأداء المدرسي، صعوبات اجتماعية في الاندماج مع الأصدقاء، إلى الشعور بالوحدة والعزلة عند الأطفال خلال المرحلة الابتدائية، أما المراهقون فإنهم قد يتفاعلون مع طلاق الوالدين بمشاعر الاكتئاب، التي تتمثل في قلقهم على مستقبلهم وقدرتهم على الزواج والحفاظ عليه.

وتضيف رشدي إن فقدان الأمن النفسي ونشوء صراعات داخلية تحمّل الطفل دوافع عدوانية تجاه الأبوين وباقي أفراد المجتمع، يؤثران على شخصية الطفل بدرجة كبيرة فيخلق منها شخصية مهزوزة غير مستقرة ومتأرجحة.

مها، أبو فارس، وآلاف من القصص الأخرى لأشخاص قرروا أن يفترقوا عمن كانوا “شركاء دروبهم”، ورغم الأرقام المخيفة والقصص المؤلمة، إلا أنه ينبغي النظر لملمح أمل في هذا، فما الفائدة من استمرار زيجات تعيش موتًا سريريًا؟

لعلّ الحرب أوجدت الكثير من الظروف السيئة، لكنّ سياط المجتمع التي كان يلقيها على كل “مطلقة” باتت أخف اليوم، والثورة على الظلم ولّدت لدى الجميع أدوات تمرّد على كل ظلم ولو كان عمره عشرون عامًا، المشكلة ليست في “الطلاق التعسفي” بقدر ما هي في “الزواج التعسفي”، علّ هذه الأرقام تنبّهنا لمصيرية قرار كالزواج، عسانا نوليه اهتمامًا وبحثًا وسؤالًا، يفوق ما نوليه من الاهتمام لعملية شراء هاتف جديد.

حالات طلاقهل يخسر المعتقلون زوجاتهم أيضًا؟

لم يقتصر الدمار الذي حل بالمجتمع السوري إثر سياسة الأسد الوحشية على تشتت الآلاف من العائلات السورية، وإبعاد الأطفال عن آبائهن، وحرمان النساء من أزواجهن، قتلًا أو تهجيرًا، فقد خلفت الاعتقالات الأمنية التي حصدت أكثر من مئتي ألف رجل، لا يُعلم معظمهم إن كانوا أحياء، الكثير من الحالات الاجتماعية المعقدة التي بدأت آثارها بالظهور في المزيد من التفكك والضياع، في ظل غياب الوعي الاجتماعي ووسط بيئات مضطربة لا تقيدها قوانين أو أعراف.

بعد 4 سنوات على اعتقال زوجها في سجون النظام السوري، طلبت أم محمد الطلاق منه، معتبرةً أن لها الحق في تقرير مصيرها، لكن القاضي الشرعي في محكمة البقاع الأوسط في لبنان رفض ذلك، لأنه لم يستطع الحكم فيما إذا كان الزوج متوفيًا، وطلب شهادة وفاة لإتمام المعاملة.

أم محمد تكمل المعاملة في دمشق، وتقول إن “علماء الدين مخطئون في فتواهم، لأنه من غير المعقول انتظار الرجل الذي لا نعلم مكانه ولا حالته لينطق بالطلاق”.

زوجة أخرى لا تعرف عن زوجها المعتقل شيئًا منذ سنتين ونصف، بدأت بمعاملة الطلاق وأخطرت أهل الزوج بذلك، وتعتبر أن المسألة باتت عبئًا يقيّدها ويأسرها، خصوصًا وأنها “تغيرت” وأصبحت تعتمد على نفسها بشكل كلي، كما أنها لا تضمن أن يفرج عن  زوجها المعتقل منذ منتصف 2011، وإن خرج فقد تغير بكل تأكيد، حسب تعبيرها.

وتشهد المحاكم في دمشق عددًا من حالات التفريق بين الزوجين، بعضها لزوجات المعتقلين والمفقودين، وأخرى لنساء لجأ أزواجهن إلى أوروبا وتعسرت معاملة لم شمل العائلة أو انقطع الأزواج عنهن ولا يعرفن أي أخبارٍ عنهم.

وكان مفتي النظام السوري، أحمد بدر الدين حسون، أعلن نهاية 2012 أن كل امرأة تقدم إثباتًا أن زوجها مفقود لدى وزارة الأوقاف، لها الحق بالزواج عوضًا عن انتظار سنوات لمعرفة مصيره. وأضاف “أما إذا كان الزوج موجودًا في السجن فذلك يعني أنه غير مفقود، وأما إذا كان مسافرًا فعليه أن يُعلم بذلك ويعطي خبرًا”.

لكن الفتوى قوبلت باستهزاء وسخرية عبر مواقع التواصل الاجتماعي آنذاك، خصوصًا أن النظام الذي يؤيده حسون يعتبر مسؤولًا عن اعتقال أغلب الناشطين ومنظمي المظاهرات السلمية إضافة لحملات الاعتقالات التسفية التي طالت المدن والبلدات الثائرة، يبنما كشفت الصور المسربة عن مقتل أكثر من 10 آلافٍ منهم تحت التعذيب.

وردّ الشيخ أحمد اللدن، مفتي البقاع اللبناني، في حديث سابق لعنب بلدي، موضحًا أن الفترة المعتبرة لانفصال الزوجة “هي غياب الزوج 4 سنوات على مذهب الحنابلة”، إلا أن لكل حالة وضعًا خاصًا في ظل الظروف الحالية، مشدّدًا على أنه لا يصح للمرأة اتخاذ القرار لوحدها دون الرجوع إلى القاضي الشرعي.

وعزت السيدة مجد شربجي، مديرة مركز النساء الآن في لبنان والمعني بشؤون المرأة وتمكينها، حالات الطلاق من المعتقلين والمغيبين إلى غياب الصبر والحاجة إلى الراحة وسط الظروف السيئة للمرأة، وأوضحت “لا يصح ربط الطلاق بالوعي والحرية التي أنتجتها الثورة وإنما بنسبة التحمّل، إذ كانت بعض النساء تتحمّل وتصبر على الظلم أما اليوم فقد أنتج الضغط المعيشي وتردي حالة معظم الأسر إضافة إلى التحرر من القيود الاجتماعية والتقاليد ارتفاعًا في نسبة الحالات”.

 

لماذا الزواج؟

يجب على المقبل على الزواج أن يكون صادقًا ولديه القدرة على تقييم الأسباب التي دفعته إلى الخطوبة من شخص ما، وذلك من خلال … اقرأ المزيد..

تابعنا على تويتر


Top