ولّى زمن الطغاة …

جريدة عنب بلدي – العدد 45 – الأحد – 30-12-2012

32د. إحسان الحسين

يستند الطغاة في تعاملهم مع شعوبهم إلى منظومة أساسها:

١- التضييق على المعرفة أو مصادرتها

{وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} (38) سورة القصص

٢- المحافظة على النمطية والتكرار مما يعني تثبيت الحالة المجتمعية

{وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} (127) سورة الأعراف

{وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} (26) سورة غافر

٣- جوقة من المساعدين والإعلاميين

{فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} (44) سورة الشعراء

{فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ} (41) سورة الشعراء

٤- مصادرة الحريات

{يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} (29) سورة غافر.

٥- تفتيت شبكة العلاقات الاجتماعية وتحويل المواطن من كائن اجتماعي فاعل إلى فرد يرتبط مع الآخرين بعلاقة يحكمها الخوف والتوجس

{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} (4) سورة القصص

٦- البنية المركزية المتسلطة والاستبدادية.

{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} (6) سورة إبراهيم

٧- مصادرة الموارد وتشكيل حالة من الثراء والانفاق الذي يتسم بالإسراف والتبذير

{وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} (51) سورة الزخرف

توظف هذه المنظومة لإتلاف حياة المواطن وخلق حالة من الارتياب والشك في العلاقات الاجتماعية وتثبيت العجز على مستوى أداء الفرد والمؤسسات {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} (83) سورة يونس، في المجتمعات البسيطة الزراعية والبدوية، تكون المعرفة محدودة، ولا تتعدا مصادرها الأسرة ومجلس المختار، أو شيخ القبيلة وإمام المسجد، كذلك في المجتمعات الصناعية، حيث تكون بنية اتخاذ القرار صلبة وبشكل هرمي من القمة إلى القاعدة، بينما تكون المعرفة وكذلك الإعلام من مصادر مؤسساتية كبيرة تتحكم بها النخب والحكومات .

الطغاة في المجتمعات الزراعية والصناعية يمكن لهم أن ينشطوا ويمسكوا بزمام الأمور لأنهم يستطيعون التحكم بمخازن المعرفة والإعلام والأدوات الإعلامية .

هذا الأمر لا يمكن له أن يحدث في مجتمعات المعلوماتية، تلك المجتمعات التي سقطت فيها المؤسسات الكبرى، وأصبح العمل يجري على المؤسسات الصغرى والمتوسطة، وأصبحت المعرفة وكذلك الإعلام بمتناول شرائح كبيرة من المجتمع، كما وأنه تم استبدال النظام الهرمي في اتخاذ القرارات والادارة بشبكة، يتم بواسطتها تبادل المعرفة والتواصل الاجتماعي، هذا يعني أن الدولة فقدت السيطرة على المعرفة والإعلام فلم يعد باستطاعتها المحافظة على ثبات نمطية الحالة الاجتماعية، وفك التواصل بين عناصر المجتمع أو حجب المعلومة أو الخبر في ظل هذه الشروط والظروف أصبح الأداء الوظيفي لمنظومة الاستبداد شبه مستحيلة .

لقد تغيرت كل قواعد اللعبة:

١- المعرفة والخبر أصبح حرًا و مباشرًا وموسوعيًا.

٢- هناك سهولة في الحصول عليه وكذلك تداوله.

٣- توفر إمكانية للتواصل عبر شبكة واسعة تؤمن الخبر والتواصل الاجتماعي.

٤- دخلت الحياة العامة في صلب هذه المنظومة الجديدة مما فرض على الناس حالة من الحركة والتغيير ومقابلة البدائل التي تشكّل مدخلاً إلى كسر النمطية وحالة الثبات.

لذلك كله لن يتمكن الطغاة من العيش في مستقبلنا.

تابعنا على تويتر


Top