نحو ثورة اجتماعية شاملة

لا تطأطئ رأسك

31

حنين النقري – دوما

من أبرز سمات أي نظام استبدادي امتهانه لكرامة الانسان، فهو لا يرى في مواطنه «إنسانًا» له حقوق الانسان وكرامته، بل يرى أن كل ما في ذاك «المخلوق» هو ملك لهذا النظام الاستبدادي، بما فيه وقته وحياته وإنسانيته وفكره وكرامته، ولعلّ أنظمة الاستبداد نجحت في تسيير هذه «المخلوقات» التي تحكمها مطولًا بسياسة «الحديد والنار» التي تتبعها.. لكن غاب عن أذهان من اعتاد هذه السياسة أن الكأس عندما يمتلئ لن يكون بوسعك أن تملأه بالمزيد..

من يضطر للتعامل مع دوائر الحكومة وموظفيها سيدرك تمامًا هذا البعد، في أي دائرة وأي قطاع ستجد دومًا من يستغل أي «منصب» يشغله ليتحكم بك.. ويجعلك تنتظر وتشعر بحاجتك أكثر، وقتك مباح… عمرك مباح… مصلحتك مهمّشة… حقّك ضائع مع لفافة تبغ ينفث دخانها في وجهك ليقول لك «تعال بعد أسبوع… الموظف المسؤول في إجازة» هكذا ببساطة شديدة، دون أي تخيّل لأضطرارك.. ولأهمية طلبك…ولوقتك المهدور!!

كان هذا قبل الثورة، والغريب بحقّ… أن هذه العجرفة في التعامل لازالت موجودة بعد الثورة، لا زال موظفي النظام الفاسد على ديدنهم من امتهان لكرامتنا، لازال الدرس عصيًّا على الفهم على من تربّى على يد نظام الاستبداد… المدير يمتهن نائبه ونائبه يسحق الموظف فيأتي الأخير ليمارس سلطته على من يقدر أن يتسلط عليهم….

وبين هذا وذاك، ثمّة كرامة مهدورة… ثمّة إنسان يعتاد شيئًا فشيئًا على «تمسيح الجوخ» والتماهي مع الوضع والاستسلام لتأخير حاجاته، بل لعلّه يخاف أن يصرخ في وجه الموظف لئلّا يرفض طلبه تمامًا… اعتدنا ذلك حتى أضحى من سمات تعاملنا مع بعضنا بعضًا.. وموثّقًا في الكثير من مأثورات الأمثال الشعبية المعبّرة عن ثقافة التعامل مع من يفوقك قدرة…للأسف!

لا أطلب من نظام سقط في عقولنا وشوارعنا أن يتغيّر، من تحجّرت أفكاره لن يغيّرها إلا كسرها، وما حدث مع أهل درعا بسبب كرامة أهينت في بداية الثورة درس لم يستطع ذهن النظام المتبلّد فهمه فكانت النتيجة ثورة عارمة شعبية، لم يزل يتعامل معها بمزيد من العجرفة والعنجهية!!

لا.. كلامي ليس للنظام ولا لأعوانه… بل هو موجّه إلى من أسقطوا هذا النظام، إلى كل من ثار، لا تزال آثار سنوات الظلم في نفوسنا راسخة، طلبي أن تكون ثورتنا وجها لوجه مع كلّ من يحاول الانتقاص من كرامتنا أو التسلّط علينا بشكل غير شرعي أيا كان… مهما كان منصبه وصلاحياته…

من حيث المبدأ سيوافقني الجميع حتمًا.. لكن عند التطبيق ستجد معظمنا لا يناقش في حقوقه ما دامت في يد تملك مصلحة له!

الغالبية مستعدة للانتظار ريثما يعود الموظف من الإجازة دونما ثورة لوقت لا أهمية له.. السمع والطاعة لكلمات المدير.. الرضوخ لطلبات غير منطقية من دكتور جامعة… خفض الرأس والأفكار معًا لعميد الكلّية… وما هم -حقيقة- إلا موظفين لخدمتي..

نحن من نصنع الاستبداد، ونحن من نزيله ونحقّ حقوقنا بأيدينا لو اخترنا ذلك

خوفي أن نصنع في سوريا الغد مستبدّين صغارًا جددًا، بما اعتدنا عليه من عدم النقاش، وعدم الانتقاد!

لا تقل نعم وأنت تريد لا في صدرك… لا تقل شكرًا لمن تدعو عليه في سرّك!! اسأله لماذا؟ وأين حقّي؟ واجعل ظاهرك كباطنك مع الجميع!

ثر…لا تطأطئ رأسك!

تابعنا على تويتر


Top