هل تحارب ثقافتنا العمل الجماعي؟

جريدة عنب بلدي – العدد 45 – الأحد – 30-12-2012

30

   عتيق – حُمص

لم نتربّى كسوريين على ثقافة التعاون والعمل الجماعي، والتكاتف مع الآخرين لإنجاز المشاريع، رغم انتمائنا القرآنيّ لعقيدة «البنيان المرصوص»، ولسيرة «الجسد الواحد» النبويّة، لكنه انتماء نظريّ، لا يسعفه واقعنا. وهذا ما لمسنا انعكاسه السلبيّ على الأعمال الثوريّة، إذ كثيرًا ما ظهرت «الأنا» حيث كان ينبغي أن تذوب في الـ «نحن»، الأمر الذي عرقل وأخّر بل وأفشل إنجاح الكثير من المشاريع التي كانت تخدم الثورة.

ويلاحظ كل مراقب أنّ العمل العسكريّ (مثلًا) لم يشهد نضجًا إلا بعد توحيد الكتائب العاملة، وتنسيق الجهد فيما بينها، وهذا هو الدرس الذي يجب أن نتعلمه من الثورة: لا نجاح للمشاريع الكبيرة إلا بعد التعالي على الاختلافات القائمة فيما بيننا (والتي يصدف دومًا أنها لا تنتهي)، وتركيز العمل نحو ما نتفق عليه من خطوط ٍعريضة.

وتعاني الثقافة التي تأخذ منها التربية عندنا مصدرًا للمعرفة والعمل (لا الثقافة المركونة على الأرف، والتي قد نتمجّد بها في كلّ مناسبة) تعاني من تمجيدها للفرديّة ونبذها للتعاون والعمل الجماعي!، فكثيرًا ما نمجّد «العصاميّة»، نقول «هذا شخص عصاميّ» بلهجةٍ ممتلئةٍ بالفخر والغبطة، تجعل أنفُس المستمعين متشوّقةً للاقتداء بها، «إنّه شخص بنى نفسه بنفسه»!. وقليلًا ما نأتي على ذكر قدوةٍ «ساعدها الآخرون في الوصول لما تريد»، أو «تكاتفت مع الأصدقاء والصحب في تحقيق منالها».. وهذا خطأ تربويّ فاحش.

مثال آخر أعمق، الطريقة التي تربّي بها المدرسة أبنائنا، في المدرسةِ عليك أن «تتنافس» مع زملائك، حتى تحصل «أنت وحدك» على مركزٍ من المراكز الأولى، ولا مكان لاثنين معًا في مركزٍ ما. «التنافس» لا «التعاون» هو النظام الذي بُنيت عليه طريقة التعليم السائدة.

في ظل النظام التعليمي المطبق حاليًا في مدارسنا، نجد أن التعاون بين الطلاب في الامتحانات يسمى «غشًا» ويُطلبُ من كلٍ فردٍ على حدة تقديم حلوله، ويعتبر ما يخالف ذلك مشنّعًا عرفًا ودينًا!! رغم أنّ الحياة العمليّة وما تطرحه أمامك من تحدّيات، تترك لك دومًا خيار أن تطلب المساعدة (مهندس يشرف على مشروع، وواجهته مشكلة مثلًا، فمن السهل الاستعانة بالآخرين)، لكنّ النظام الامتحاني المعتمد في مدارسنا يجعل من هذا التعاون بين الطلبة غشًا (في بعض المدارس الغربيّة اطّلعت على تجربةٍ تعاونيّة رائعة بين الطلاب في الدراسة والامتحان والنجاح)

بل وكثيرًا ما نسمع المراقب على الطلاب في الامتحانات يقول «ليش تخلي رفيقك ياخد المعلومة منك بسهولة وإنت مبارح سهرت الليل لحتى تحفظها»!!

هكذا تربّت أجيالنا، الطلاب يدرسون ويمتحنون وينجحون «وحدهم»!

وكثيرًا ما يعتبر اجتماع الطلاب أو الإخوة معًا دليل «تآمر» !!

الجنديّة، أو خدمة العلم، حيث يفترض أن يتعلم المرء قواعد الانضباط والعيش في مجموعة، يعتبر أمنها أمنه، وخيرها خيره، وشرها شره، انقلبت إلى «عسكريّة دبّر راسك»!!

ويخرج الإنسان من هذه التجربة وهو أكثر انطواءً على نفسه، وثقافة الفرديّة أكثر تجذرًا في سلوكه.

الأمثلة كثيرةٌ حقًا، وهذه بعضها، والفكرة من سوقها، هي ضرورة أن نصحّح الثقافة التي نغذّي بها الأطفال منذ بدء تفتّح وعيهم في الحياة وحتى خروجهم إلى ساحة العمل، حيث تبدأ آثار الفرديّة والأنانية بالظهور.

ثم أن نسمح للعناصر الأخرى الموجودة في ثقافتنا (لكنها مهملة وغير معمول بها)، أن نسمح لها بالظهور، و نعمل على نشرها وتنميتها، وتغذية النشء بها، كي تتجلى واقعًا ملموسًا يعيد صياغة المجتمع المنشود.

تابعنا على تويتر


Top