يومٌ في دوما مع هبة..

إنسانية من ورق

-من-ورق.jpg

حنين النقري

“الله يجيرنا من هالصباح”، تقول هبة عند سماع دويّ الطائرات من بعيد، وتستعجل أبناءها الثلاثة في تناول إفطارهم، ترسلهم قبلها إلى قبو البناء تحسبًا ليوم دامٍ آخر، علهم يكونون من الناجين مجددًا.

هبة، مدرّسة لغة عربية مجازة من جامعة دمشق، في الثلاثين من عمرها، متزوجة ولديها بنتان وصبي، مقيمة في مدينة دوما ومحاصرة ككل من فيها، تشاركنا يومياتها مع أبنائها في منزلها في ظل المجازر الأخيرة.

الروتين اليومي

تقول السيدة “أستيقظ كل يوم في الصباح الباكر، نصلي الفجر أنا وأولادي، نتناول الإفطار ونقرر فيما إذا كان الجو مناسبًا للذهاب إلى المدرسة، في الكثير من الأيام بعد أن نتجهز للذهاب تحدث اشتباكات وقصف عنيف فنحجم عن الأمر، أحيانًا أترك أبنائي في المنزل وأذهب للمدرسة لأستكشف الوضع”.

بحكم عملها في التدريس والتوجيه في إحدى المدارس في الغوطة الشرقية، ترى هبة أن وضع التعليم في هذا العام الدراسي مأساوي، وحسب تعبيرها فإنه من المستحيل أن يستطيع المدرسون إكمال إعطاء المناهج، مردفةً “حتى وإن أكملنا العام شكليًا، فالمجازر التي تكررت منذ بداية العام الدراسي بشكل رهيب قطعت أوصال المناهج كلها”.

تخبرنا المدرّسة والأم أن تناول الفطور في المنزل صار رفاهية في الفترة الأخيرة، فالطائرة تطلّ عليهم منذ السابعة صباحًا، وتضيف “بالكاد أجهز الإفطار لأسمع صوت دويها في السماء، أصيح بأطفالي أن يسبقوني للأسفل وأتولى حمل الإفطار لنتناوله في العتمة، وهكذا نمضي كل اليوم في الأسفل”.

يوم كامل، بل أيام متتالية، في قبو رطب ومعتم على ضوء “ليدّات” ضعيفة متهالكة، مع دويّ قصف لا يهدأ، أبواق صافرات الإنذار ونداءات المساجد تطلب متبرعين بالدم. مع ما يصل إليها من هذه الأصوات تسرح هبة في هواجسها “يا ترى أين قصفت الطائرة، أين هي المجزرة اليوم، هل استشهد أحد أقربائي، أسئلة تدور في بالي وأنا منقطعة عن كل شيء إلا عن الخوف”.

ماذا ستطبخين اليوم؟

ونتيجة لإمضاء معظم الأيام في القبو، تقول هبة إن بصرها تراجع من التحديق والحملقة في العتمة، لكنها تضيف “لا شيء مهم أمام فقد المئات لأرواحهم”.

تصعد عشاءً إلى المنزل مع مَعِدات أطفالها الفارغة وأفواههم المطالبة بالغذاء بعد نهار طويل وقاس، وتقول “بصراحة في معظم الأيام لا أطبخ، وهذا حال كثير من الناس، إذ لا نصعد للمنزل إلا بعد أذان المغرب، الوقت متأخر والطعام لا يجهز بسرعة، بالإضافة لخوفي على ابني من إرساله لشراء الحطب في هذا الوقت وهذه الظروف، أحيانًا يكون سبب عدم طبخي هو أعصابي المتعبة وعجزي عن التركيز والوقوف بعد ما جرى خلال النهار، نتيجة لكل هذا نكتفي غالبًا بما في المنزل من نواشف، يأكل الأولاد وننام باكرًا”.

ورغم كل هذا تعتبر هبة نفسها محظوظة، فما هو متوفر لها غير متوفر لغيرها حسب قولها، وتضيف “الحطب بات اليوم امتيازًا لا يطاله كل الناس، البارحة كنت أقف أمام بائع ثياب مستخدمة عندما أتت امرأة تطلب منه ثيابًا مهترئة غير صالحة للبس لتحرقها وتطبخ عليها، سمعت هذا من نساء كثر، فالثياب القديمة أوفر من الحطب، يكفي أن تعلمي أن سعر كيلو الحطب يتجاوز 100 ليرة ويلزم لكل طبخة ما يزيد عن 3 كيلو، عدا تكلفة مواد الطبخة إن وجدت، فمن أين يعيش الناس؟”.

رغم سؤالها الأخير عن إمكانية تأمين متطلبات المعيشة، تقول هبة إن الناس باتوا لا يعبؤون بالجوع ويحتملونه مقارنة بالقصف، وتنقل لنا المقولة دائمة التكرار على أفواه الأهالي “نتحمل الجوع والقلة ولكن يا ريت يخف القصف والقتل، جميعنا نراقب عداد الشهداء في تزايد، نتألّم على زهرة شبابنا تأخذهم الحرب من أيدينا دون طائل، الحصار أهون من القصف، وأهون من الاقتحام” وتعقّب بدورها “صدقيني كل الناس يقولون هذا”.

بيوت للعزاء في كل مكان

في اليوم التالي لكل قصف تتكشّف أحزان الناس، وتراقب هبة وأولادها من الشرفة أعداد بيوت العزاء في حارتهم، تضيف “بعد كل مجزرة ينقص فرد من الجيران، لا أعرف عائلة ليس فيها شهيد أو أكثر، وفي ظل التدمير المستمر للبيوت، بيوت العزاء هي الوحيدة العامرة والمتزايدة، أراقب عدد بيوت العزاء في حارتي وأنا أتمتم: يا لطيف.. تجيرنا”.

عندما يعود أبو محمد، زوج هبة، من الجبهة يكون محور الأحاديث أعداد الشهداء وأسماءهم، تحمد الله أنه لا زال بخير وتدعو أن تراه مجدّدًا عند وداعه على الباب “أصبح زوجي كل أهلي، إذ سافرت عائلتي منذ عام ونصف إلى تركيا وبقيت أنا وحدي هنا مع زوجي وأبنائي، ومع انقطاع الاتصالات والكهرباء لا أستطيع محادثتهم إلا نادرًا، منقطعون عن كل شيء.. رجاؤنا بالله وحده”.

أقفاص الأسرى في الشوارع

سألنا هبة عن أقفاص الأسرى التي نشرتها الفصائل العسكرية في شوارع دوما لمنع النظام من استمراره في المجازر، فأكّدت لنا أن الأمر لا يشبه ما يذاع على وسائل الإعلام، وأضافت “الكل بدأ بالمهاجمة وتشبيه الجيش الحر بالنظام وأنه لا يهتم لأرواح المدنيين، وهل ماتت الرحمة في قلوبنا؟”.

وتوضح “الأقفاص كانت حركة للفت النظر لما يجري عندنا وللضغط على النظام بعد أن ضاقت الأرض بنا، لم أر أنا أو غيري الأقفاص فقد عبرت بهم سيارات الفصائل في شوارع دوما وأعادتهم للمقرات فورًا، الكثير من أسرى النظام باتوا يتعاطفون مع عناصر الجيش الحر، خاصة أمام ما يرونه من استغناء النظام عنهم، حركة الأقفاص أكّدت للجميع أن النظام لا يلقي بالًا لرعاياه مدنيين وعسكريين”.

وكان ناشطون تداولوا، مطلع تشرين الثاني الجاري، صورًا لأقفاصٍ حديدية وضعت في أحياء دوما وداخلها ضباطٌ ونساء ضباط من بلدة القرداحة في ريف اللاذقية، بانتظار القصف اليومي، ردًا على المجازر التي تنفذتها المقاتلات الحربية في المدينة.

لا تهدأ الحملات العسكرية عن قصف الغوطة يوميًا، وتقدر أعداد الضحايا بالعشرات حتى أصبح من الغرابة أن يمر يومٌ يتوقف فيه “العدّاد”، حتى بات الناس يؤمنون أنهم ليسوا مجرّد أرقام أمام عبث العالم بالخارطة العسكرية السورية ومصالح الدول العظمى في المنطقة.

بيت من ورق:

شاركتنا هبة خاطرة كتبتها عن “بيت من ورق” عقب عودتها لمنزلها بعد المجزرة الأخيرة في دوما، السبت 6 تشرين الثاني، وسننشرها كما أرسلتها تمامًا:

عقب كل غارة أعيد نفس السيناريو، نجلس في القبو ترتعد فرائصنا، وبهزيمها المرعب تغتال أملنا بالبقاء، ألهيهم وأسليهم وألعب معهم أطفالي الثلاثة، هنا في قعر قبو كريه الرائحة خافت الإضاءة، نشعر بالود تجاهه خلال لحظات الرعب الخارجة عن نطاق المعقول.

أصطنع أمامهم الثبات وقلبي مهزوز، وأمثل الابتسامة وبقايا روحي تنهار، وألعب دور الأم القوية المرحة وأرجو من كل قلبي أن أتقن ذلك الدور.

أنت يا من تقرئين قابعة في حضن أريكتك، وأنتَ يا من جعلت مقالتي مادة في جريدتك أطفالي كأطفالك تمامًا، لا يملكون أسنانًا شريرة كدراكولا، وليسوا أبدًا صخورًا. أطفالي كأطفالك تمامًا، عاديون جدًا، يحبون اللعب واللهو يتصارعون ويتقاتلون وصخبهم مزعج ربما، يحبون الشوكولا والسكاكر ويعشقون الحياة الهنيئة، الفرق الوحيد أن قدرهم أن يعيشوا هنا في الغوطة؛ فرق واحد لكنه كفيل بأن يجعل كل الألوان معكوسة.

تغرب شمس يوم دام، أصعد للمنزل، أعرك عيني المتعبتين من عناء الإبصار في ضوء خافت، “اتركوا باب القبو مفتوحًا” أصرخ بالأولاد على الدرَج، يصيحون: لماذا..؟ أقول بانزعاج: ربما تأتي طائرة الليل فجأة.

آآآه الآن سأعيد نفس السيناريو من جديد، تمزق النايلون الذي على الشباك، نستخدمه بدلًا من الزجاج، أنزل الواجهات وأبدأ باللصق، الشظايا تملأ الشرفات، وبقايا ركام المنازل المجاورة تزين أثاث المنزل، أرتب منزلي وقد مثل أمام ناظري.. بيت من ورق.. صامد لا زال في مهب الريح”.

تابعنا على تويتر


Top