إنهم يفخخون النصوص والأفكار ويتركون خلفهم أرضًا ملغمة"

عقوبات تنظيم الدولة الإسلامية في ميزان الرأي العام في دير الزور

-الدولة.jpg

سيرين عبد النور – عنب بلدي

معزولة عن العالم بحواجز التنظيم، تنشر فيها صلبان حديدية وأقفاص متنقلة، وباتت ساحاتها “مسالخ” مفتوحة تُمارسُ فيها أبشع أنواع الجرائم باسم الله، هكذا هي حال أحياء دير الزور التي يصفها الخارجون منها بـ “السجن الكبير”.

عقوبات تتلوها عقوبات أدت إلى نزوح أغلب أهالي المدينة فرارًا بأنفسهم من أحكام التنظيم المتشدد التي تنحو إلى التطرف وربما “الجنون”.

مليون و 200 ألف جلدة

فتحت العقوبات الأخيرة التي أصدرها بعض قضاة تنظيم “الدولة الإسلامية”، أبواب الأسئلة عن مصدرها ومدى مطابقتها للشرع وقبول الأهالي بها.

وكان أحد قضاة التنظيم حكم على شاب في قرية الجنينة بـ 1500 جلدة بتهمة تهريب امرأة، وحكم على ثلاثة شباب في مدينة الميادين، مطلع تشرين الثاني الجاري، بمليون و200 ألف جلدة عقوبة على “قتل أختهم بداعي الشرف” عام 2010 (أي قبل وجود التنظيم بثلاث سنوات).

وتوصف أغلب عقوبات التنظيم بأنها بدنية (القتل والجلد والصلب) ولا تستثني النساء، ويؤكد أغلب الأهالي أنه لا مجال للمقارنة بين الجرائم والعقوبات في مناطق سيطرة التنظيم، إذ قد يؤدي الهمس ببعض الحروف إلى السيّاف مباشرة، كما أن عدم حمل السواك أو قص اللحية وحتى زيادة سنتيمتر واحدٍ في طول الثوب قد تودي بك إلى السجن و”السخرة”.

لا يوجد الكثير من الوثائق المكتوبة عن الجرائم في دواوين التنظيم، إلا أن عناصره يؤكدون أنهم يقومون بتبليغ الناس بالأفعال غير المرغوبة والمحرّمة، ويتم إعلانها عبر عدة وسائل منها النشرات الإعلانية ووسائل الأخبار التابعة لـ “الدولة”، وبذلك يكون كل فرد في مناطق سيطرة التنظيم بحكم المبلّغ ويستوجب العقاب في حال المخالفة والعصيان.

حفاظ على الشرع أم على بقاء التنظيم؟

ورغم إمكانية اعتبار هذه الوسائل كافية للتبليغ، إلا أنها لا تكفي لتجريم فاعليها، كما أنها لا تكفي لجعل العقوبة مقبولة، وغالبًا ما لقيت عقوبات التنظيم الاستنكار والرفض الضمني من قبل الأهالي، وذلك لتطرفها ورفض الإقرار بشرعية السلطة المصدرة لها.

تعدد وسائل العقاب عند التنظيم وتنوعها ترك أثرًا كبيرًا في المجتمعات التي يحكمها، وذلك في أساليب التكيف والاندماج والخضوع، وأثار أسئلة كثيرة حول فلسفة الجريمة والعقاب عند التنظيم والقاعدة الأساسية لها فيما إذا كانت الحفاظ على الشرع أو الحفاظ على التنظيم.

يكاد أغلب من حاورتهم عنب بلدي يجمعون على أن التنظيم يقدم مصلحته في الحكم على الأحكام الشرعية الواجبة التطبيق، “وذلك بعيدًا عن الغطاء الشرعي الوهمي الذي تغلف به هذه الأحكام”، بحسب أحمد، أستاذ التربية الدينية وأحد ناشطي الثورة في دير الزور كما يعرّف نفسه، ويرى أن “هناك خلافًا شرعيًا حول أغلب أحكام التنظيم، لكن الابتعاد عنه أولى”.

ويؤكد الشاب أن الجانب الإنساني من الدين الإسلامي “يرفض الممارسات الوحشية”، مدللًا بوجود العديد من الكتاب الإسلاميين والمفكريين الذين تصدّوا لأطروحات التنظيم وفندوا ادعاءاته.

نموذج فاسد

وفي حين يوصف العقاب بأنه وسيلة دفع وردع، فهو يدفع الجرائم المقبلة ويردع المجرمين عن تكرار جرائمهم، يصرّ مشرعو التنظيم على تجاوز فلسفة العقاب والردع العام والخاص، كما يقول حارث، وهو إمام مسجدٍ سابقٍ في دير الزور وطالب علوم شرعية، مضيفًا “تحولت عقوبات عناصر التنظيم إلى جرائم مستقلة جديدة ترتكب بحق الأفراد، تكون العقوبة هنا جرمًا يفوق الجرم الأصلي ويتحول منفذ العقوبة إلى مجرم”.

ورغم اتفاق الجميع على السند التاريخي لكثير من الأحكام التي تطبّق اليوم في ساحات “أرض الخلافة”، إلا أنهم يفندونها على الأقل في الوقت الحاضر ويرفضون تطبيقها بهذا الشكل “الفج”.

وتختلف التيارات والمذاهب والأشخاص حول قرب أو بعد عقوبات التنظيم عن روح الشرع، بما فيها من تطور وحضارة، ويضيف حارث “تغير الزمان والمكان كما أن حالة الحرب التي نعيشها تفرض أحكامًا مختلفة وعقوبات مغايرة”، جازمًا أنهم يقدمون النموذج الخطأ للدين.

عذابات متصلة

عقوبات التنظيم فاقت جميع تصورات العقل البشري، من إجرام وابتكار في القتل والإمعان في التعذيب، بحسب أيمن، أحد المعتقلين السابقين في سجون “تنظيم الدولة” في دير الزور.

ويوضح أيمن أن المقاتلين يتبعون “التدمير النفسي للمعتقلين بتعذيب زملائهم أمامهم وقتل الأبناء أمام أهاليهم؛ لا شيء أصعب من حال قلب أم يخفق وهي ترى ابنها يقتل أمام عينيها تحت الإهانة والشتم، ثم يصلب عدة أيام قبالة بيته ولا يملك ذووه إنزاله أو يقدرون على دفنه، ليلقى بعدها في مكان مجهول لأنه كافر”، بحسب تعليق العناصر.

تلفيق التهم والعقاب على الظن غير القاطع والشك، يسبب بقاء المعتقل أيامًا وأشهرًا على أيادي جلّادي التنظيم، دون التصريح عن مكان اعتقاله تحت وطأة أصناف التعذيب المختلفة، ومنها، بحسب أيمن، قطع الأطراف، الحرق، الغرق، التهشيم، الثقب باستخدام آلات حادة وأدوات كهربائية وأسلحة فردية وقطع الحديد والحجارة.

منهج عنفي لا يتوقف عند العقوبات بل يمتد إلى وسائل التحقيق مع المعتقلين وإلى طرق تعامل أجهزة التنظيم مع الأهالي بما فيها جهاز الحسبة، الذي يفترض أن يكون جهازًا دعويًا يستخدم الحكمة والموعظة الحسنة لكن عناصره يستخدمون الضرب والسجن ويلجؤون إلى الشتم، بحسب أحد الناشطين (رفض الكشف عن اسمه)، مستفسرًا عن الهدف الحقيقي لعناصر التنظيم “هل هو تطبيق الإسلام أم تشويهه؟”.

نطاق العقوبات

يؤكد الكثير من عناصر التنظيم ومناصريه أن عقوبات “تنظيم الدولة” تتجاوز مناطق سيطرته لتطال أعداءه في “بلاد الكفر”، مستخدمًا عناصر بشرية موالية له موجودة في جميع أنحاء العالم تشكل خلايا نائمة، يستخدمها التنظيم في الوقت الذي يختاره، “نستطيع أن نصل إلى الجميع وفي أي مكان لعقابهم”، كما يقول أبو جليبيب أحد عناصر التنظيم في دير الزور، أمام الأهالي في الأسواق.

كلام يرى الناشطون أن فيه مبالغة، لكنه ينطوي على شيء من الحقيقة، وهذه هي الرسالة التي أراد التنظيم إيصالها إلى العالم من خلال ذبح أحد ناشطي “حملة الرقة تذبح بصمت” وزميله في مدينة أورفا التركية، نهاية تشرين الأول الماضي.

عقوبات أرادها التنظيم أن تكون رادعًا لأعدائه بينما يرى فيها الناشطون السوريون محفزًا شخصيًا واجتماعيًا لمقاومة التنظيم.

رغم اختلاف أسلحة الطرفين ومعرفة الناشطين عدم تكافؤ الأسلحة، وقلة الإمكانات المسخّرة للناشطين مقارنة بالموارد المالية والعسكرية والتقنية للتنظيم، يقول العمري، أحد ناشطي المدينة، “سنقض مضاجعهم بالكلمة والصورة مسلحين بالحق والإيمان”، ويكمل “بالحياة جيناكم”.

جرائم لا تغتفر

الجريمة الكبرى ارتكبت بحق التفسيرات الدينية والتأويل النصي وهذا التمثيل المشين للدين والفقه، بحسب العمري، الذي يضيف “إنهم يفخخون النصوص والأفكار حتى إذا ما خرجوا تركوا خلفهم أرضًا ملغمة وبشرًا مفخخيين”.

ويتحدث عن “معمودية الدم والعار” عند التنظيم، والتي “لا تستند بكل تأكيد إلى فقه السماء لأن ما نراه أقرب إلى فقه الجحيم منه إلى الله”، ولا يجد الشاب أي مبرر لإصرار التنظيم على ذبح شخص في حارته وأمام ذويه، “أن يجتمع عددٌ من الأشخاص بسواطيرهم منتظرين قدوم الذبيحة لينفذوا حكمهم، هذا ولوغ في الدم لا يقدم عليه حتى وحوش البرية”.

ويؤكد أغلب الباحثين، الذين تحدثت إليهم عنب بلدي، أن الضرر الذي ألحقه عناصر التنظيم بصورة الإسلام الحقيقي الوسطي، يحتاج إلى مئات السنين لعلاجه ومحو الصور المرعبة التي زرعها عناصر “تنظيم الدولة” في عقول العالم بأسره.

يقول العمري “رغم سلامة أجساد بعضهم إلا أنهم مشوهون فكريًا ونفسيًا واجتماعيًا والأهم دينيًا، نحن هنا ننظر إلى مسوخ بشرية يطربها منظر الدماء وتنتشي بالقتل والذبح”، لكنه مع كل ذلك يرى أن الشعب سينسى ويعود للحياة من جديد بعيدًا عن “الظلم الأسود الذي أجبر على العيش فيه”

تابعنا على تويتر


Top