بعيدًا عن المواقف السياسية...

 “الفرودس” تنهي عروضها في دمشق

.jpg

هديل انديوي – دمشق

على الرغم من أن المسرح هو مكان لعرض موقف فردي أو جماعي من العالمِ دون أيّ مرجعية، إلاّ أن القليل جدًا من العروض السورية التي قُدمت على مسارح دمشق، نجت من الوقوع في خطأ استعراض المواقف السياسيّة المُتملقة، والطرح المباشر لوضع الإنسان السوري الآنيّ، واستثناءات قليلة جدًا التزم أصحابها بتقديم عمل فنّي جاد وإبداعيّ.

من هذه الاستثناءات، مسرحيّة “الفردوس” الّتي قُدمت على خشبة مسرح “فواز الساجر” على مدار خمسة أيام (من 15 ولغاية 19 تشرين الثاني الجاري)، وهي مأخوذة عن نص “النادل الأخرس” لهارولد بنتر، ومن إخراج إبراهيم جمعة ودراماتورجيا هبة محرز.

أتت مسرحيّة الفردوس لتعبّر عن الإنسان السوري “الآنيّ” وسط ظروف الحرب وظروف الحياة اليومية الصعبة، التي تتحكم به من أصغر تفاصيلها لأكبرها، بما يتضمنها وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

الفضاء المشكّل على الخشبة (القبو)، فضاء مغلق ثابت ومحدود أفقيًا، ينقل لنا حالة العزلة التامة بين الشخصيات (سالم وخلدون)، يؤدي دوريهما كل من لجين إسماعيل وحسن دوبا، وهما مستأجران في قبو سكنيّ، صلتهم الوحيدة بالخارج هي النافذة الصغيرة (الشفاط) المطلة على أقدام المارة، تكشف علاقتهم بالخارج، كما تكشف علاقتهم بمالك القبو الذي يسكن فوقهم؛ وهي علاقة عاموديّة (أعلى وأسفل)، وهذا يجسد الطبقية وثنائيّة “السيد والعبيد”، التي هي امتداد لمفهوم النظام الإقطاعي الذي يعيد إنتاج نفسه، رغباته، ومكانه بما يتناسب مع مفردات العصر، حتى يتضح في نهاية العرض أن الطبقية لا يفرضها الأقوى فقط، بل الفرد هو من يجد نفسه بها ويتماشى مع هذا الدور.

المكان ثابت طوال فترة العرض ليؤكد على حضوره السلطوي في حياة الشخصيّات، وتلك الأخرى عملت على ترسيخِ ارتباطها بالمكان وعجزها عن الفكاك منه، سواء أكان المكان مستحضرًا ماديًا (كالقبو)، أو لفظيّا كمكان عمل سالم، أو حتى المتخيّل منها (الفردوس) الذي تطلبه الشخصيّات وتتمنّاه.

سينوغرافيا العرض أدت وظيفتها الدلالية وكشفت عن العالم النفسي للمؤديين، فكان السريران المتقابلان أو النبتتان إسقاطًا لوضع ودور الشخصيات الذين لا يلتقيا بنقطة واحدة رغم تشاركهم حدود المكان والزمان، مما يكشف لنا أن لكل شخص فضاءه الخاص يدور فيه وحده ولا يعي الآخر.

ركز العرض على علاقة الفرد بالمكان وسلطة هذا الآخر، أكثر من الخوض في الحالات الشعورية والتشوه النفسي لإنسان الحرب بشكل أوضح وأعمق، فافتقرت شخصيات كل من “حسن دوبا” و”لجين إسماعيل” للكثافة النفسية وجاء إيقاع الأداء غير متناسب مع التضاربات والتحولات الشعورية للشخصية.

على الرغم من ذلك ينطق عرض الفردوس بحالة الفرد الذي يبحث عن نظام في كل محاولاته، مما يجعله في صراع مع العالم لعدم توافق تصوراته وتوقعاته مع الفوضى واللامنطقية التي يسير وفقها العالم، والذي يخيب أمله في العيش حياة مثاليّة كالفردوس، حتى يجد نفسه أخيرًا محاصرًا بفوضى العالم واللاعقلانية التي تغرقه تدريجيًا فيها كنتيجة حتمية وتحرمه من الحالة الإنسانية الحالمة.

تابعنا على تويتر


Top