من يافا إلى ألمانيا..

متى تتوقف تغريبة الفلسطينيين؟

-الفلسطينية.jpg

حنين النقري – عنب بلدي

لم يخطر في بال “أبو محمد” عندما غادر فلسطين شابًا أنه سيعيش في أرض سواها، كذلك لم يتوقّع عندما درس في الأردن ونال جنسيتها أن يتركها يومًا إلى أن استقرّ وأسرته في مخيم اليرموك في سوريا، هناك حيث اشترى بيتًا وسط محيط كان الأشبه بفلسطين، لهجات فلسطينية من كل مكان، عكا، صفد، حيفا ويافا المدينة التي أورث حبّ رائحة برتقالها لأبنائه جميعًا.

في مخيم اليرموك، وقريبًا من شارع “لوبية”، عاش أبو محمد مع عائلته الكبيرة، لم يكن يحبّ الخروج من المخيم، فقد كان الأمر بالنسبة له غربة وجوه وأسماء ولهجات تذكّره بتغريبته الأم، وهناك ربّى أبناءه وعلّمهم بلهجته اليافاوية الصرفة، لئلّا ينسوا من أيّ أرض هم.

ومخيم اليرموك أكبر مخيمات الفلسطينيين في سوريا، رغم عدم اعتراف الأونروا به بشكل رسميّ، أنشئ عام 1957 على مساحة 2.11 كيلومتر مربع ليتوسع بعدها بجهود الفلسطينيين ورغبتهم بحياة أفضل.

ما بعد الثورة

عندما بدأت الثورة السورية، كانت ميس، ابنة “أبو محمد”، من أكبر المناصرين لها، اعتصمت مع أصدقائها في الجامعة وتظاهرت في حارات الشام كأيّ سوريّ آخر، ولما سألناها عن سبب مشاركتها رغم كونها فلسطينية أردنية أخبرتنا “ما قدرت أسكت، النظام كان ظالمًا وشعرت أن واجبي يحتّم عليّ الوقوف مع الإنسان في هذا البلد، تظاهرت معهم ولم أنتظر أن يعود هذا عليّ بأي شيء، لو وقفنا معًا ضدّه ما كان صار ما نراه اليوم ولا كنا وصلنا إلى هنا”.

بكثير من الخوف والحذر والترقّب، كانت عائلة ميس بكاملها مع الثورة والشعب، وتضيف “إحدى أقرب صديقاتي كانت من مدينة دوما وتخبرني بكل ما يجري من عنف تجاه المتظاهرين وتشييع للشهداء وانتشار للحواجز، لا أنسى خوف سائق التكسي الذي أقلّني إلى بيتها في أيار 2015، كانت الأوضاع مأساوية رغم أنها لا تقارن بما يحدث اليوم، كيف لي أن أعلم وأرى كل هذا وأقف ساكتة وأؤيد النظام؟”.

بدأت ميس بالمظاهرات لتتوسع شيئًا فشيئًا بمساعدة الجرحى ونقل المواد الطبية لمنطقة الميدان أيام مظاهراتها واشتباكاتها، فبحسب ما قالت “حركتي كفتاة وكفلسطينية كانت أسهل، بالإضافة لقرب المخيم من الميدان”.

لكن الحرب تركت أثرها على تعداد الفلسطينيين في سوريا، فقبلها كان يزيد عن نصف مليون نسمة، لينزح منهم أكثر من 100 ألف شخص، بالإضافة لقرابة 3200 شخص بين شهيد ومعتقل ومصاب ومحاصر.

الخروج من المخيم

استمرت الأوضاع على هذه الحال من مساعدة للاجئين السوريين في مخيم اليرموك، ونقل مساعدات طبية وغذائية للمناطق الخطرة إلى أن استيقظت ميس صبيحة العاشر من تشرين الأول عام 2012 على دويّ يصم الآذان، قذيفة في غرفة نومها هي وأخواتها، هدمت الشرفة والحائط، لكنها لم تصب أيًا منهنّ بأذى.

“بالمال ولا بالعيال.. بالفلوس ولا بالنفوس”، بهذه الكلمات ودع أبو محمد وعائلته البيت الذي أسسه كبديلٍ مؤقتٍ عن بيته في يافا، لتبدأ معه سلسلة الغربة والتغريب ومكابرة على الأوضاع إلى منزل جديد في المخيم.

قصف طيران النظام المخيم في كانون الأول 2012، فخرج أبو محمد وعائلته من بيتهم، حارتهم، ويرموكهم، خروجًا لم يعلموا أنه الأخير، تقول ميس “في 17 كانون الأول تركنا كل شيء، حملنا معنا بعض متاعنا وقلنا سنعود حتمًا، أيام قليلة ونعود، لمَ لم نتعلّم بعد أننا كفلسطينيين متى غادرنا أرضًا لا نعود إليها؟”.

الزاهرة الجديدة، الزاهرة القديمة، الصناعة، الميدان، ثلاثة أشهر من التنقل في مناطق عديدة ليستقروا في قدسيا أخيرًا، هناك حيث تزوجت ميس من خطيبها محمد، واستقروا جميعًا في بيتين متلاصقين في حياة حسبوها آمنة، كانت العائلة كلها مجتمعة في مكان واحد بانتظار العودة للمخيم.

ولا زال مخيم اليرموك تحت حصار قوات النظام ومجموعات القيادة العامة، بحسب مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا لأكثر من 875 يومًا، استشهد خلالها 184 فلسطينيًا محاصرًا نتيجة لنقص المواد الغذائية والصحية.

تغريبتان

لكن سير الأمور في سوريا لم يكن ليستقرّ على حال، وهكذا بدأت المصائب تتوافد على العائلة، تقول ميس “في آخر أيام تموز 2013 توفّي والدي على حاجز للنظام، جاءنا الخبر صاعقًا ولم أصدق في بداية الأمر إذ لم تكن صحته سيئة يومها، اكتشفنا لاحقًا أنه تعرض للضرب من قبل عناصر الحاجز، لم يراعوا سنه ولم يسعفه قلبه الضعيف المنهك بالعديد من القسطرات سابقًا، فارق الحياة.. بهذه البساطة”.

لم يكن هذا كل شيء، إذ بمجرّد أن أودعت العائلة جسد “أبو محمد” ثرى قدسيا، بدأ التصعيد على تلك الأخيرة بالصواريخ والقذائف، لينزحوا على دفعتين في تغريبتين منفصلتين، تقول ميس “اتجهت والدتي وإخوتي إلى الأدرن في آب من ذلك العام بعد أيام من وفاة والدي، لكنني بقيت مع زوجي إلى حين اشتدّ القصف، فخرجنا من قدسيا في أيلول 2013 لنستأجر منزلًا في مزة الشيخ سعد، إذ لا يمكن لزوجي دخول الأردن للتعقيدات التي نمتاز بها نحن الفلسطينيون”.

تخبرنا ميس أنها عاشت في دمشق لحظات رعب كثيرة، لم تكن جنسيتها الفلسطينية وجواز سفرها الأردني شفيعًا لها على الحواجز، وتضيف “داهمت قوات النظام منزلنا أكثر من مرة، كنت أشعر أنني على حافة الاعتقال لما لي من نشاطات، ولا أعلم حتى اللحظة كيف نجوت من قبضتهم”.

بعد عامين من بقائها في دمشق بدأت ميس بالتفكير بالرحيل نهائيًا، وتقول إنها راهنت على صبرها وقدرتها على التحمل طويلًا، لكن “أسباب البقاء”، حسب تعبيرها، بدأت تنفد واحدة تلو الأخرى، وتوضح “ندفع أجرة بيت من غرفتين 60 ألف ليرة سورية نمضي الشهر كاملًا لتحصيلها أنا وزوجي، أمان يتناقص يومًا بعد يوم، وغربة تزداد في بلد لفظ أبناءه، مع رعب وخوف متزايد كان نتيجته تعرض زوجي لأزمة قلبية جعلته الآن مريضًا في قلبه ويحتاج علاجًا مستمرًا، من لي هنا لأبقى، لأجل ماذا؟”.

من يافا إلى ألمانيا

وهكذا، اتفقا على قرار السفر، بل الهجرة إلى ألمانيا ليتمكن محمد من العلاج، من مطار دمشق أقلعت رحلة ميس إلى إزمير، وعبر أزقة التهريب خرج محمد إلى حدود تركيا البرية لأنه فلسطيني، تضيف ميس “اتفقنا أن نذهب بطريقين مختلفين، التفتيش في مطار دمشق كان جنونيًا، حتى أننا خلعنا أحذيتنا، في الطائرة حذّرونا من سرقة سترات النجاة وإلا سلمونا للشرطة التركية في إزمير.. المضحك المبكي!”.

لكن الأمور لا تسير كما يخطط لها على الدوام، ونتيجة لقرب موعد الانتخابات في تركيا لم يتمكن محمد من دخول تركيا كما أخبره المهرب، تقول ميس “كانت أصعب أيام حياتي، لا يوجد لي أحد هنا، وحيدة في إزمير بلد المهربين، أبحث وأجوب الشوارع عن فندق يأويني سواد الليل، أفكر بمحمد المنقطعة أخباره عني، أبعد وساوسي وهواجس عدم اللقاء مجددًا به، وأخشى أن أنفق ما بحوزتي من مصروف قبل أن نصل إلى اليونان”.

بعد أربعة أيام من المحاولات والضرب والمخاطر على الحدود، تمكّن محمد من الدخول أخيرًا، ليلتقيا في إزمير مجدًدا، أخبرتنا ميس أنها استوعبت وجودها خارج قبضة الأسد حينها، تقول “لا أستطيع تخيّل أنني الآن غير مراقبة من مخابرات الأسد، لم أتمكن من الشعور بهذه الحرية إلى أن اجتمعت بمحمد؛ على الأقل الآن يمكننا الموت معًا”.

بعد رحلة طويلة وشاقة وباردة، وصلا أخيرًا إلى هدفهما، تعيش ميس الآن مع زوجها محمد في أحد مخيمات ألمانيا، بعيدًا عن عائلتها في الأردن، ورفات والدها في قدسيا، ومنزل طفولتها في المخيم، وجذورها الراسخة في يافا، ولسانها يردد أمنية الفلسطينيين جميعًا “عسى أن تكون فلسطين محطتنا الأخيرة.. عساها تنتهي تغريبتنا”.

الصندوق:

  • تشير إحصائيات مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا الصادرة في 19 تشرين الثاني 2015، أن ما يزيد عن 36 ألف فلسطيني سوري وصلوا إلى أوروبا خلال السنوات الأربع الأخيرة.
  • حسب نفس الإحصائية يعيش قرابة 15 ألف فلسطيني سوري في الأردن، 45 ألفًا في لبنان، 6 آلاف في مصر، ومثلهم في تركيا.
  • لم يعط النظام السوري الفلسطينيين الجنسية السورية، لكنهم كانوا يعاملون بحكم السوري من حيث واجبات خدمة العلم والضرائب وسواها، رغم ذلك يخضعون لشروط عديدة من حيث التملك، فمثلًا لا يسمح للفلسطيني السوري بتملّك أكثر من شقة واحدة، وبشرط أن يكون متزوجًا، ولا يسمح له القانون السوري بتملك أراضٍ زراعية أو عيادات أو محلات تجارية.

تابعنا على تويتر


Top