داء السل المرض الذي يسبب وفيات أكثر من أي مرض مُعدٍ آخر

-السل.jpg

د. كريم مأمون

قد يعطي التطور الكبير في المجال العلمي، ولا سيما الطبي، فكرة خاطئة بأن بعض الأمراض القديمة (كالسل) قد ولى زمانها، إلا أن الواقع يدل على أن هذا المرض لايزال موجودًا؛ إذ لا تزال تشاهد حالات من الإصابة بالسل أغلبها عند الأطفال، خاصة في بؤر الصراعات المسلحة، نتيجة انهيار البنى التحتية ونظم الرعاية الصحية، وكذلك شوهدت حالات من السل عند المعتقلين المفرج عنهم من السجون السورية، كسجن صيدنايا وسجون الأفرع الأمنية، نتيجة سوء التغذية وتدهور الحالة الصحية فيها.

ولذلك لابد من أن نعرّف بهذا المرض وأعراضه وطرق تشخيصه وعلاجه والوقاية من العدوى به، إذ إن السل هو أكثر مرض معد يسبب الوفيات في العالم حتى الآن.

ما هو داء السل؟

“داء السل” أو “التدرن”، هو مرض جرثومي معد، تسببه جرثومة تدعى “المتفطرة السلية” أو “عصية السل” أو “عصية كوخ”، نسبة للعالم الذي اكتشف هذا الجرثوم، وعادة ما تدخل هذه الجراثيم إلى الجسم عن طريق التنفس وتهاجم الرئتين وتستقر فيها، فيسمى “السل الرئوي”،  لكن بمقدورها أن تنتقل من الرئتين لتصيب أعضاء أخرى من الجسم “السل خارج الرئوي”، ويمكن لأي عضو أن يصاب؛ كالجهاز العصبي والعظام والأمعاء وغيرها.

ويمكن أن تحدث الإصابة في أي سن، ولكن تشتد خطورة المرض لدى إصابة الأطفال دون الخامسة من العمر.

كيف تحدث العدوى بالسل؟

السل الرئوي هو الشكل الوحيد للحالة المعدية؛ فعندما يسعل شخص مصاب بداء السل الفعّال، أو يعطس أو يزفر الهواء أو يتكلم، تنتقل الجراثيم في الهواء، ويمكن أن تبقى لساعات معلقة فيه، وعندما تدخل إلى جسم بصحة جيدة للمرة الأولى فإن جهازه المناعي يقوم بمنعها من الانتشار في الجسم، لهذا لا تظهر أي أعراض، ولكن تبقى الجراثيم في الجسم، وتتشكل عقيدات صلبة مائلة للرمادي تسمى “الدرنات”، وتعرف هذه الحالة باسم “السل الكامن”، أما إذا فشل الجهاز المناعي بقتل أو احتواء العدوى، فيمكنها أن تنتشر إلى الرئتين أو أجزاء أخرى من الجسم، وستتطور أعراضها في غضون بضعة أسابيع أو أشهر، وتعرف هذه الحالة باسم “السل النشط “، وعادة ما يتطور السل الكامن إلى سل نشط في وقت لاحق مع التقدم بالعمر عند إصابة الجسم بأي مرض أو حالة مضعفة للمناعة.

ورغم أن السل لدى الطفل ينتشر إلى الدم وبقية الجسم بسرعة أكبر مقارنة مع البالغين، إلا أن معظم الأطفال المصابين يشفون شفاءً تامًا بعد العدوى الأولية؛ وتتكلس الدرنات، ولا يمكن للجراثيم أن تخرج ثانية، ولهذا فإن الأطفال أقل نقلًا للعدوى من البالغين.

وتجدر الإشارة إلى أن المصاب يخرج عددًا قليلًا فقط من العصيات أثناء زفيره، وبالتالي فإنَّه لا يعدي بالمرض إلا من يسكن معه لفترة طويلة تصل لشهر أو أكثر (الأشخاص الذين يقيمون في نفس المنزل أو في التجمعات الطلابية أو العسكرية أو السجون)،  وبشكل عام لا ينتقل السل عبر الأغراض الشخصية للمصاب، مثل الملابس أو السرير أو غيرها من الأشياء التي يلمسها.

ما هي العوامل التي تؤهب للعدوى؟

  • عدم تلقي اللقاح الخاص بالسل ب ث ج.
  • وجود ضعف بالمناعة والإصابة بأمراض نقص المناعة كالإيدز.
  • الازدحام في المسكن.
  • سوء التغذية.

ما هي أعراض الإصابة؟

تتظاهر الإصابة بأعراض عامة: حمى، نقص وزن، تعرق في الليل، فقدان شهية.

أما أعراض الإصابة الرئوية فهي غير نوعية؛ حيث لا تظهر عند الأطفال علامات أو أعراض في بداية الإصابة بعدوى السل عادة؛ ولا توجد علامات حتى على صورة الصدر بالأشعة السينية، ولكن يمكن أن يشكو الطفل بين فترة وأخرى من ضخامة في العقد اللمفاوية أو ربما من سعال خفيف.

ويقتل الجهاز المناعي للجسم العصيات وبعض خلايا الجسم، ثم تتجمع كل الخلايا الميتة معًا وتشكِل ما يسمى “الورم الحبيبي”، والذي  يمكن أن تبقى العصيات حية فيه ولكنها لا يمكن أن تتكاثر، ومع موت المزيد من النسيج الرئوي وتزايد حجم الورم الحبيبي، تظهر التكهفات أو الأجواف في الرئة؛ وهذا ما يسمح بخروج الكثير من العصيات وانتشارها في الجو عندما يسعل المصاب، ومع نمو الورم الحبيبي في الرئتين، يزداد السعال ويظهر لدى المصاب ضيق التنفس بسبب تضرر النسيج الرئوي.

كما يمكن للورم الحبيبي أيضًا أن يطال الأوعية الدموية مسببًا النزف في الرئتين، الأمر الذي يمكن أن يظهر على شكل خروج للدم مع السعال (القشع المدمَّى).

وبالتالي يتظاهر الربو الرئوي النشط بسعال مستمر لأكثر من ثلاثة أسابيع مترافقًا مع بلغم قد يكون دمويًا.

وبالنسبة للسل خارج الرئوي فإن الأعراض تختلف حسب العضو المصاب؛ فمثلًا عندما يصيب السل العمود الفقري يمكن أن يؤدي إلى آلام شديدة في الظهر أو إلى كسر مفاجئ في الفقرات، وعندما يصيب الأمعاء يحدث إسهال مزمن وألم بطني، وعندما يصيب السحايا يحدث صداع وإقياء واضطراب في الوعي وتبدل بالشخصية، وقد يحدث إنتان دم بجراثيم السل فيما يسمى “السل الدخني”؛ وهي حالة مهددة للحياة يكون فيها منظر الرئتين على الصورة الشعاعية يشبه حبات الدخن المنثورة.

وبعد أن تعرفنا على داء السل، وأسبابه، وكيفية العدوى، والأعراض، لابد أن نتعرف على طرق التشخيص والعلاج، وكذلك طرق الوقاية من العدوى، وهذا ما سنتناوله في العدد المقبل بإذن الله.

تابعنا على تويتر


Top